قصة قصيرة
وجهٌ بدون قناع...
هذه هي المرة الأولى التي أزور فيها المسرح بعد سنوات من الإنقطاع التام عن الذهاب للسينما أو المسرح، ظروفي الشخصية ومزاجي العام وظروف البلد العامة لم تكن تشجع على مثل هذه الأمسيات، ففي يوم شتائي غائم جزئيًا وبينما كنت عائدًا من زيارة أحد أقاربي الذي كان قد أجرى عملية " القسطرة"القلبية التقيت بصديقي ياسر والذي فارقته منذ فترة طويلة، فقد انتقل لمحلة أخرى بعد أن باع أخوته الدار وتقاسموا الأرث بينهم وكانت حصته قليلة فاشترى قطعة في أطراف بغداد وبناها بشق الأنفس، كنت قد أدمت الوحدة منذ أن شاهدت الدبابة الأمريكية تجوب شوارع بغداد في نيسان من عام 2004وكأنها في نزهة، حينها وعلى حيطان غرفتي رسمت عباءة أمي بالكلمات وهي تنوح لحفيدها الذي سقط شهيدًا في الفاو، وعلى الجدار المقابل رسمت قبر أبي بالكلمات وهو يرثي حفيده الذي أستشهد وهو يدافع عن العرض والأرض في الطيب وميسان مرارة مرّة..حينما أرى بعضُ من الرعاعِ يحملون أسرّة المستشفيات وأجهزة تنفس الأوكسجين كغنيمة، شلل فكري عشته، تساؤل يؤرقني ..من كان يقتحم السواتر بجسده دون خوف، أين هو..؟؟ أين أختفى؟؟ عبد الله ألعيبي ذلك الطيار الذي مزقوا تمثاله الشامخ أمام قيادة القوة الجوية...أحفاده أين؟؟ ..أخوته أين؟؟؟ أبناء عمومته أين..؟ أين الرجال الأبطال من القوات الخاصة ...أين ذاك النزيه العفيف الوطني النظيف الذي يأنف الرشوة ويرفض الهدية..أين هو أين أختفى؟؟ أسئلة تنتابني وتكاد تفجّر رأسي...مقارنة ظالمة...خرجت من دوامة هذه الأفكار المربكة بدعوة صديقي لمشاهدة مسرحية جديدة ، ووجدتها فرصة للخروج من عالم اليأس والعزلة والإحباط بما أنا فيه...إلى عالم قد نستعيده ببوادر خير مما نرى، جلسنا في المقاعد الأخيرة للمسرح، كانت الإضاءة تتناوب بين السطوع والظلمة والظلال للتمويه...بينما أتابع حركة الممثلين شاهدت الجميع يرتدي الأقنعة، سألت صاحبي:
- كيف سنعرف الممثلين؟؟ولماذا هذه الأقنعة القبيحة؟؟ومن هو بطلها ومؤلفها؟؟؟ أسئلة كثيرة تراودني لغرابة المشاهد وقباحة الأقنعة!!
أجابني صاحبي ويبدو أنه على دراية بكواليس المسرحية:
- ذلك الذي يتابع المسرحية من خلف الستارة هل تعرفه..أو بالأحرى هل تعلم ما هو دوره
سألته..: - لا..لا أعرفه ولا أعرف دوره.. هو يرتدي القناع الأقبح بينهم كما أرى... يا ترى لماذا؟؟
ضحك ملء شدقيه..وهمس في أذنيَّ بصوتِ متقطع يشوبه الخوف:
- هو مؤلف المسرحية ومخرجها .. وما على وجهه ليس بقناعٍ يا صديقي..بل هو وجهه الحقيقي!!!
شكرا لكرم مروركم