الوارث المحزون
حين قرأتُ قول الشاعر:
(«صِـغـاراً نُـرَبّـيـهِـمْ بِـقَـدْرِ عُـقـولِـهِـمْ
وَنَـبْـنـيـهِـمُ لَـكِـنَّـنـا نَـتَـهَـدَّمُ
فَـمَـنْ كـانَ يَـرْثـى قَـلْـبُـهُ لِـمُـعَـذَّبٍ
فَـأَجْـدَرُ شَـخْـصٍ بِـالـرِّثـاءِ الـمُـعَـلِّـمُ
عَـلى كَـتِـفَـيْـهِ يَـبْـلُـغُ الـمَـجْـدَ غَـيْـرُهُ
فَـمـا هُـوَ إِلّا لِـلـتَّـسَـلُّـقِ سُـلَّـمُ»)
شعرتُ أن هذه الأبيات لم تصف حال المعلم بقدر ما كشفت ما يختزن في العمر من بذلٍ صامتٍ يتساقط في حياة الآخرين ويستبقي في صاحبه أثر التهدم. ومن هذا الشعور، جاءت هذه المجاراة بوحا من معلم ذاق معنى البناء في العقول وعرف في المقابل شيئا من انكسار العمر في سبيله.
يَغورُ بيَ العُمرُ المُعَنَّى وأكتُمُ
وجُرحِي بغيرِ البَوحِ لا يتَلَعثَمُ
رَمى الدّهرُ ثِقلَ الهَمِّ فوقَ كَواهِلي
وقالَ اصطَبِر والصبرُ مُرٌّ وعَلقَمُ
تَمُرُّ بِيَ الأَعوَامُ حُبلَى بِشَيبَتِي
وَفِي كُلِّ رُكنٍ لِلشَّبَابِ مُخَيَّمُ
أُفَتِّشُ عَن مَاضِيَّ بَينَ دَفَاتِرِي
فَلا أَرَى إِلا عُمرِيَ الـمُتَصَرِّمُ
أُرِيـحُ عُقُولاً مِن ظَلامِ جَهَالَةٍ
وَفِكرِي بِأَوجَاعِ الحَيَاةِ مُسَمَّمُ
أَطُوفُ عَلَى الأَروَاحِ أَسقِي عُقُولَهَا
وَمَنهَلُ رُوحِي فِي المَوَاكِدِ مُعدِمُ
وأَمضي غَرِيباً في جُيوبي بَلاغَةٌ
وَفِي داخِلي صَمتٌ مِنَ القَهرِ أَعجَمُ
خُطايَ عَلى الأوراقِ نَبضُ مَواجِعي
وَحِبري دَمٌ في صَفحَةِ العُمرِ يُرقَمُ
أُصَفِّفُ تِيجانَ الرُّؤوسِ لِمَعشَرٍ
وَرَأْسِيَ تَحتَ الذُّلِّ وَالقَهرِ يُرغَمُ
تَخَطَّفَتِ الأَيّامُ زَهْرَةَ صِحَّتِي
وَأَهدَتْ لِيَ الأَوجاعَ وَالشَّيبُ مَعلَمُ
أَنَا الوارِثُ المَحزُونُ مِيراثَ أَحمَدٍ
وَلَكِنَّ قَومي في النَّصِيبِ تَجَهَّموا
وَرِثْتُ نَبِيَّ اللهِ فِيمَا جَمَعتُهُ
وَهَل بَعدَ هَذَا الإِرثِ نُبلٌ يُرَمَّمُ ؟
أَرى في عُيونِ النَّاشِئينَ كَواكِبي
وَلَكِنَّ ليلي في الدَّياجيرِ مُظْلِمُ
أَقُولُ لِأَوجَاعِي اسكُنِي لِدَقِيقَةٍ
فَخَلفَ حُدُودِ الـبَابِ طِفلٌ يُعَلَّمُ
أَنا القِبلَةُ الأُولى لِكُلِّ مُجَاهِدٍ
يَرومُ مَقاماتِ العُلا حِينَ يَعزِمُ
سَقَيتُ لُغاتِ الكَونِ مِن فَيضِ فِكرَتِي
فَصارَت لِآفاقِ الحَضارَةِ تُرجُمُ
وَأَنِّيَ نَبعٌ كُلَّمَا غِيضَ مَاؤُهُ
تَفَجَّرَ مِن صَخرِ التَّصَبُّرِ زَمْزَمُ
بَنَيتُ بِأَطرافِ البَنانِ مَمَالِكاً
تَزولُ الرَّواسي وَهيَ لَا تَتَهَدَّمُ
فَلا تَعذِلُوا مَن قَضَّتِ الكُتْبُ عُمرَهُ
فَإِنَّ سَوَادَ الحِبرِ فِيهِ لَهُ دَمُ
يَصوغُ مِنَ الأيامِ لِلجِيلِ دِرعَهُ
وَأحلَامه تَحتَ الدُّروعِ تُحَطَّمُ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عبد العزيز السروري.
شكرا لكرم مروركم