قصة قصيرة
( عازف الناي )
كانت من اجمل القرى الهادئة والآمنة والتي تقع على أطراف احدى المدن الكبيرة
تضم كل الاطياف ، ولا يخطر ببال احدهم ان يسأل الاخر عن دينه او مذهبه او انتمائه السياسي
ما يجمعهم هو حب الحياة وحب قريتهم ، ما عدا القليل من الفاشلين وضعاف النفوس الذين وجدو في الفتنة متنفساً لأحقادهم و تعويضاً لنقصهم ولكن أهل القرية لم يسمحوا لتلك الثلة ان تؤثر عليهم .
دار الزمان وأصبحت تلك الثلة من الجهلة متحكمة بمقدرات القرية واهلها حيث وجدوا من سيطرة الاحتلال متنفساً لخططهم الشيطانية وبدأوا باشعال نار الفتنة من خلف الكواليس واعتمدوا مبدأ ( فرّق تسد )
دخلت الى القرية احدى الحركات التي تأخذ من الدين غطاءً لجرائمها وجاءت بما لايقره دين ولا عرف ولا قانون واتخذت من القتل والحرق والتشريد سلاحاً لها لترهيب السكان ، والتحق ضعاف النفوس مع هذا المد الهمجي وبدأت نار الفتنة تتأجج وتفعل فعلها بين الأهالي وكما يقول المثل ( الشر يبدأ من شرارة )
والشرارة الاولى كانت مقتل شاب من احدى العائلات وما روجه الخونة ممن ساعدوا المحتل ليتمكن من السيطرة على القرية وسكانها ، ان سبب قتل هذا الشاب لانه ينتمي لطائفة معينة ، وغلت الدماء في عروق أهله وعشيرته وأخذتهم حمية الثأر فسارعوا لقتل شاب اخر من الطائفة المتهمة بقتل ابنهم ( هذه الشرارة تكفي لحرق القرية باكملها )
واستعرت نار القتال والثارات بين الأهالي وبدأت الحرب الأهلية .
سعى وجهاء القرية ومثقفوها الى اخماد نار الفتنة ولكن كل محاولاتهم باءت بالفشل
كان هناك شاب من سكان القرية يرفض هذه الظواهر الدمويه حاله حال كل العقلاء الموجودين معه ولكنه كان يملك تأثيراً أشبه بالسحر على الناس حين يعزف على نايه بألحان تحمل عبق تاريخ العراق وأصالته لترسخ شعور الارتباط بهذه الارض وفعلاً بدأ تأثيره يظهر على الناس وبدأت النفوس تهدأ لانه كان بعد اي مشكله تحصل بين الأهالي يختار له مكاناً ليعزف على نايه وليسمع الجميع هذه الأنغام التي كانت تمسح كل الاحقاد وتزيحها عن صدورهم ، وبدأت بشائر الصلح حيث توحدت جهود رجل الدين المعتدل و وجهاء القرية والمثقفين والمحبين لهذه الارض بالفطرة وعازف الناي يضيف اللمسة الروحية لهذه الجهود حتى صار مثالاً ورمزاً للسلام بين الناس .
ولكن من أشعل نار الفتنة لا يمكن ان يهدأ له بال فأعاد الكرَّة ولكن بشكل ابشع هذه المرة حيث جعل الناس ينسون عهود السلام فيما بينهم واختتمها بحرق منزل عازف الناي ، فما كان منه الا ان يحمل طفليه بين يديه ( محبة وسلام )
وفرّ بهما نحو الحقل المواجه لبيته طلباً للنجاة ، والأهالي بين مستنكر ومشجع لهذه الأفعال وعلت أصوات اللغط واللغو والخوف والتهديد والوعيد ، وفجأةً اطبق السكون على القرية وسكانها حين سمعوا صوت إطلاق ناري استهدف عازف الناي ، كان قد سدده الى ظهره احد أفراد المد الهمجي ، وسارع الناس نحوه وذهلوا عندما وجدوه قد فارق الحياة وعقدت ألسنتهم لمنظر طفليه ( محبة وسلام ) وهم يصرخون خوفاً مما حدث وحزناً على موت ابيهم وكانت دمائه تغطيهم فهرعوا الى حمل طفليه وإبعادهم عن مكان الحدث وهناك سمعوا صوتاً ينادي من بعيد
( لو كنت اعلم ان موتي سيجمعكم لقتلت نفسي بيدي منذ زمن ، ولكن ما ذنب ابنتي محبة وابني سلام ، ما ذنب العفة والطهر والبراءة ، أوصيكم بهم خيراً.
حِينَئِذٍ توحدت كلمة أهالي القرية فاستجمعوا قواهم ووحدوا جهودهم واستطاعوا ان يقضوا على ذلك المدّ الهمجي ، وحقنت الدماء وصوت الامل في داخلهم ينادي لا تيأسوا ، فكلنا سننشر المحبة والسلام وكلنا سيحافظ على خيط النور في روحه وكان الوقت وقت مغيب .
المنظر هنا في اليوم التالي حيث بدا شعاع الشمس يغطي القرية شيئاً فشيئاً وبدأ الأهالي يتوافدون من كل اتجاه نحو قبر العازف وكل واحد منهم يحمل في يده ناياً ووصلوا الى قبره ووقفوا حوله والكل يعزف بلحن واحد هو الأحب لديهم ومحبة وسلام يحملون الزهور ويوزعونها على قبر ابيهم وأصوات الناي تعلو لتخبره ( كلنا سنعزف الناي ) ، لتسود المحبة في ارض المحبة ، و ليعم السلام في وطن السلام
التوقيع
( نغمة ناي )
مي داوود

شكرا لكرم مروركم