مؤسسة العيون الثقافية

موقع ثقافي يعنى بالادب بكل انوعه على انه رسالة سلام ولغة توحد العالم

random

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

شكرا لكرم مروركم

البوم الصور


 ألبوم الصور


امام مرآة خفت بريقها وتلاشت ملامحها ، مد يده ليتحسس ما فعله معول الزمن من تجاعيد تشبه أودية حفرتها المياه الهادرة جرفت معها كل ما صادفته من حجر وثمر ، تخفي خلفها معاناة سنين ورحلة شاقة لم تفارق أحداثها مخيلته .

فغر فاه وتجهم وجهه ، ركز نظره على المرآة الشاحبة التي تشبه لون بشرته .

- هل حقًا هذا انا ؟!!

أشاح بنظره متذمراً ، أخذ نفسًا عميقًا كأنما سحب خلاله كل هواء الغرفة لرئته المتعبة من أثر تدخين لم يفارقه منذ مراهقته .

فتح دولابه الصغير المليء باغراضه وكتبه لتنبعث منها رائحة كالتراب عند تساقط المطر ، تناثرت دفاتر ذكرياته والبوم صوره وأشرطة ( أغاني عبد الحليم ) التي يعشقها كحبيبته .

رفع البوم الصور من الأرض ولملم البا.قي ودسه في الدولاب بلطف .

تردد والقلق يملأ تفكيره ، هل يفتح ألبوم الصور ، أم يطوي هذه الذكريات الى الأبد ؟!!

أشعل سيكارته وجذب منها نفسًا عميقًا ، وتصاعد الدخان متراقصا على أنغام ( قارئه الفنجان ) .

عندما يصل الأنسان الى عمر الخمسين تتحول طباعه الى الهدوء ويترك الانفعال ، لا يزعجه إلا أن يمر يوم جديد سريعا، عزاؤه الوحيد  صوت العندليب الأسمر !!

لم ينتبه ألا وقد أجهز على علبة السكائر كاملة ، أحس بضيق شديد في صدره ، حاول الصراخ ، ضرب رأسه بباطن كف يده ، نهض  وبدأ يجوب الغرفة جيئة وذهابًا … أخيرًا قرر تصفح الصور .

- من أين أبدأ ؟!

- هل من صور المدرسة ، الطلائع ، الكشافة ، أم العمل الشعبي ؟

- هل من صور أخي الشهيد في حرب القادسية ، أم من صور معسكرات الطلبة والجيش الشعبي ؟ أو من صور حرب الكويت وأيام الحصار ؟!

- لا .. لا .. ساترك كل هذا جانبًا … سأتصفح صور الجامعة فأنها أجمل : أصدقائي ، زميلاتي … حبيبتي رنا … آه كم كنت أحبك ، لكن خطفك مني من لا يستحقك ، وما زلت أدافع عنك رغم خيانتك .

ترقرقت عيناه بالدموع ، رجفت يده وهي تحمل صورته مع سيارته الجديدة خلال سفره وأصدقائه الى ( الحبانية ) ، رمى بثقل جسده المتعب على كرسيه محاولًا الهروب من تذكر أحداث تلك الليلة المشؤومة قبل خمس وعشرين سنة .

- كانوا أجمل ثلاثة أصدقاء لي ، بسبب رعونتي وطيشي خسرتهم ، لماذا يا إلهي!! انا من يستحق الموت وليس هم .

كانت ليلة ( عيد نوروز ) أتفقوا على أن يكون احتفالهم مميزًا ، أحضروا بعض المشروبات والمكسرات تصاحبهم أغاني هيثم يوسف وجورج وسوف ، استمتعوا كثيرًا ، غنوا ، رقصوا ، وعلت ضحكاتهم البريئة كأنهم قد علموا ان هذه ليلتهم الأخيرة .

في طريق العودة ، الوقت يقترب من الثالثة فجرًا ، بدأت جفونهم تثقل ويداهمهم النعاس بعد أن شربوا حد الثمالة .

 وفجأة علا صوت منبه قوي يصاحبه صرير فرامل شاحنة طويلة ، كانت سيارتهم تتخطى الرصيف لتبلغ الطريق المعاكس تفاجأ  سائق الشاحنة بما حصل في رمشة عين ولم تسعفه مهارته لتفادي المحظور . 

أفاق بعد ثلاثة أيام ، فتح عينيه وأدارها في ارجاء الغرفة ، تحسس جسده ، فوجد جبيرة في اليد اليمنى وأخرى في ساقه اليمنى أيضا ، ضماد ملفوف حول رأسه ، والم شديد توزع على مفاصله . 

- أين انا ؟!

- أنت بخير ، العزاء لك بأصدقائك الثلاثة .

لم يستفق من الصدمة ولم يصدق الخبر ، الشعور بالذنب سيطر عليه واحال ايامه الى حزن وكآبة ، أنعزل عن العالم الخارجي ، وحبس نفسه في زنزانة غرفته ليجلد نفسه كلما أخرج ألبوم الصور .


حيدر الدحام

عن الكاتب

عواطف رشيد

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

مؤسسة العيون الثقافية