قصة قصيرة بعنوان : رَنْوَةُ
بِقَلَمِ: قَادْرِي بَشِير
لَمْ تَكُنْ رَنْوَةُ تَكْتُبُ هَذِهِ الْمَرَّةَ لِتُجِيبَ بل كَانَتْ تَكْتُبُ لِتَمْحُوَ
جَلَسَتْ فِي ذَاتِ الْمَسَاءِ حَيْثُ بَدَأَتِ الْحِكَايَةُ، لَكِنَّ الْفَرْقَ هَذِهِ الْمَرَّةَ أَنَّ الْغُرْفَةَ لَمْ تَكُنْ مُظْلِمَةً، وَلَمْ يَكُنْ فِي صَدْرِهَا ذَاكَ الْبَرْدُ الْقَدِيمُ. وَضَعَتِ الْهَاتِفَ جَانِبًا، الشَّاشَةُ سَوْدَاءُ صَامِتَةٌ، وَكَأَنَّهَا تَضَعُ قَلْبَهَا فِي حَالَةِ سُكُونٍ مُؤَقَّتٍ، تَسْتَجْمِعُ فِيهِ أَنْفَاسَهَا الْأَخِيرَةَ قَبْلَ الْوَدَاعِ.
الضَّوْءُ الْخَافِتُ الْمُنْبَعِثُ مِنْ مِصْبَاحِ الطَّاوِلَةِ كَانَ يَغْمُرُ وَجْهَهَا، فِيمَا تَرَاقَصَ ظِلُّهَا عَلَى الْحَائِطِ خَلْفَهَا، ظِلٌّ طَوِيلٌ سَاكِنٌ حَدَّقَتْ فِيهِ لِثَوَانٍ ، ثُمَّ قَالَتْ فِي سِرِّهَا بِصَوْتٍ لَمْ يَهْتَزَّ: لَيْسَ كُلُّ مَا يُضِيءُ يُؤْخَذ .. بَعْضُ الضَّوْءِ وَهْمٌ، يُرَى وَلَا يُلْمَسُ .
تَذَكَّرَتْ أخيرا . نعم هي عَادَتْ بِكَامِلِ إِرَادَتِهَا إِلَى بِدَايَاتِ الْحِكَايَةِ الَّتِي ظَنَّتْهَا حُبًّا لَمْ يَكُنْ حُبًّا بَلْ كَانَ دِفْءَ غَرِيقَيْنِ تَمَسَّكَا بِخَشَبَةٍ عَائِمَةٍ أَنْقَذَتْهُمَا مُؤَقَّتًا مِنْ بَرْدٍ دَاخِلِيٍّ طَوِيلٍ.
هُوَ سَفِيرٌ.
لَمْ يَكُنْ رَجُلًا عَادِيًّا فِي حَدِيثِهِ. كَانَ يَعْرِفُ كَيْفَ يَفْتَحُ النَّوَافِذَ الْمُغْلَقَةَ فِي الْكَلِمَاتِ، وَكَيْفَ يُحَوِّلُ الصَّمْتَ إِلَى اعْتِرَافٍ مُؤَجَّلٍ، وَكَيْفَ يَزْرَعُ فِي عِبَارَاتِهِ مَا يُشْبِهُ الْحَيَاةَ. طَبِيبُ رُوحٍ بِلَا عِيَادَةٍ، وَمُتَسَوِّلُ دِفْءٍ بِلَا جَرَّةٍ.
لَكِنَّهَا الْآنَ بَعْدَ كُلِّ ذَلِكَ الضَّوْءِ الْكَاذِبِ، لَمْ تَعُدْ تِلْكَ الْمَرْأَةَ الَّتِي كَانَتْ تَسْأَلُ بِخَفَرٍ:
ـ هَلْ أَنْتَ مُكْتَفٍ بِي؟
بَلْ صَارَتْ تَسْأَلُ وَجْهَهَا فِي الْمِرْآةِ الْمُقَابِلَةِ:
ـ وَمَاذَا عَنِّي أَنَا؟ أَكُنْتُ أَبْحَثُ عَنْهُ أَمْ عَنِّي أَنَا فِي عَيْنَيْهِ؟
أَمْسَكَتِ الْقَلَمَ بِقُوَّةٍ كَمَنْ يُمْسِكُ بِمِشْرَطٍ ، اِرْتَعَشَتْ أَنَامِلُهَا لِلَحْظَةٍ ثُمَّ اِنْحَنَتْ عَلَى الْوَرَقَةِ الْبَيْضَاءِ الَّتِي سَتَتَحَوَّلُ إِلَى قَبْرٍ لِلْحِكَايَةِ. بَدَأَتْ تَكْتُبُ بِصَوْتٍ مَسْمُوعٍ يُخَالِطُهُ يَقِينُ الْوَدَاعِ الْأَخِيرِ:
يا سَفِيرُ حِينَ سَأَلْتَنِي فِي الْبِدَايَةِ: مَنْ أَنْتِ؟
عَرَفْتُ أَنَّ سُؤَالَكَ لَمْ يَكُنْ عَنْ اِسْمِي، بَلْ عَنِ الْأَثَرِ الَّذِي سَأَتْرُكُهُ. وَالْيَوْمَ دَعْنِي أَصْدُقْكَ الْقَوْلَ بَعْدَ طُولِ صَمْتٍ : لَمْ أَكُنْ مَلَاكًا وَلَا طَيْفًا عَابِرًا، وَلَا حَتَّى قَدَرًا ، كُنْتُ امْرَأَةً أَنْهَكَتْهَا الْأَيَّامُ، فَوَجَدَتْ فِي حَدِيثِكَ اِسْتِرَاحَةً عَابِرَةً لَا أَكْثَرَ. وَجَدْتُ فِيكَ ظَنًّا جَمِيلًا خَدَعَنِي.
كُنْتَ تَخْشَى الْمَحْظُورَ، وَأَنَا كُنْتُ أَخْشَاهُ أَكْثَرَ. لَكِنَّنَا فِي غَمْرَةِ الْخَوْفِ لَمْ نَكُنْ نَخْشَى الْبِدَايَةَ. وَهُنَا فِي رُكْنِ الْإِهْمَالِ ذَاكَ تَسَلَّلَ الْخَطَأُ. لِأَنَّ بَعْضَ الْبِدَايَاتِ تُشْبِهُ الضَّوْءَ فِي آخِرِ الطَرِيقٍ المُوحِشٍ، نَحْسَبُهُ خَلَاصًا فَإِذَا بِهِ سَرَابٌ تَوَهَّجَ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي، لِنَكْتَشِفَ أَخِيرًا أَنَّنَا كُنَّا نَرْكُضُ نَحْوَ ظِلَالِنَا.
تَوَقَّفَتْ قَلِيلًا. رَفَعَتْ رَأْسَهَا وَنَظَرَتْ إِلَى السَّقْفِ، وَكَأَنَّهَا تَرَى شَرِيطَ الْمَاضِي يَعْرِضُ لِلْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ. تَنَهَّدَتْ، ثُمَّ حَنَتْ ظَهْرَهَا مَرَّةً أُخْرَى لِتَكْتُبَ الْجُمْلَةَ الَّتِي شَعَرَتْ بَعْدَهَا بِأَنَّهَا فَارِغَةٌ كَقَارُورَةِ عِطْرٍ أُفْرِغَتْ بِالْكَامِلِ:
لَنْ أَكُونَ تِلْكَ الَّتِي تُكْمِلُ الطَّرِيقَ مَعَكَ، وَلَا تِلْكَ الَّتِي تَنْكَسِرُ لِأَجْلِكَ. سَأَكُونُ فَقَطْ الذِّكْرَى الَّتِي مَرَّتْ بِهُدُوءٍ كَمُوسِيقَى مَسَاءٍ حَزِينٍ، وَتَرَكَتْ لَكَ دَرْسًا لَا يُقَالُ. وَإِنْ سَأَلْتَ يَوْمًا: أَيْنَ اِخْتَفَتْ؟ قُلْ بِبَسَاطَةٍ: لَقَدْ عَادَتْ إِلَى نَفْسِهَا، قَبْلَ أَنْ تَضِلَّ الطَّرِيقَ إِلَى الْأَبَدِ.
أَغْلَقَتِ الرِّسَالَةَ، لَكِنْ لَيْسَ بِطَيِّ الْوَرَقَةِ، بَلْ بِطَيِّ تِلْكَ الصَّفْحَةِ مِنْ رُوحِهَا.
نَظَرَتْ إِلَى الظِّلِّ عَلَى الْحَائِطِ، لَمْ يَعُدْ ثَابِتًا. لَقَدْ تَحَرَّكَتْ، فَتَحَرَّكَ، تَبِعَهَا لَا يَقُودُهَا.
اِبْتَسَمَتِ ابْتِسَامَةً خَافِتَةً وَهِيَ تُدْرِكُ أَخِيرًا أَنَّ بَعْضَ الْحِكَايَاتِ لَا تُكْتَبُ لِتَسْتَمِرَّ، بَلْ لِتُنْهِيَ شَيْئًا فِي دَاخِلِنَا كَانَ يَجِبُ أَنْ يَنْتَهِيَ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ.
وَهَا هِيَ رَنْوَةُ تَنْهَضُ وَتُطْفِئُ الْمِصْبَاحَ، وقد تَعَمَّدَتْ أَلَّا تَنْتَظِرَ رَدًّا لِأَنَّ الضَّوْءَ الَّذِي كَانَتْ تَبْحَثُ عَنْهُ لَمْ يَعُدْ ذَاكَ الَّذِي يَأْتِي مِنْ شَاشَةِ هَاتِفٍ، بَلْ مِنْ دَاخِلِهَا هِيَ مُكْتَمِلًا لَا يَحْتَاجُ إِلَى اِنْعِكَاسٍ.
انتهى كل شيء
الواحات في 20/ 06/ 2024
شكرا لكرم مروركم