الِاسْمُ الَّذِي جَاءَ قَبْلِي
جِئْتُ إِلَى الدُّنْيَا،
وَكَانَ الْغِيَابُ قَدْ سَبَقَنِي إِلَى الْبَيْتِ.
وُضِعَ فِي يَدِي اسْمٌ،
كَأَنَّهُ بَقِيَّةُ صَوْتٍ
عَبَرَ مِنْ هُنَا وَلَمْ يَعُدْ.
قِيلَ لِي:
أَنْتَ سُلَيْمَانُ.
وَلَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ
أَنَّ لِلْأَسْمَاءِ ذَاكِرَةً،
وَأَنَّ بَعْضَهَا يَحْمِلُ
مَنْ غَابَ قَبْلَ أَنْ نَعْرِفَهُ.
كُنْتُ أَكْبُرُ،
وَالِاسْمُ يَكْبُرُ فِيَّ،
كَمَا يَكْبُرُ ظِلٌّ
لَا نَرَى صَاحِبَهُ.
وَكَانَتْ لَهُ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ،
وَجْهٌ ثَابِتٌ
فِي زَمَنٍ لَا يَثْبُتُ فِيهِ شَيْءٌ.
كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهَا طَوِيلًا،
وَلَا أَعْرِفُ:
أَكُنْتُ أَبْحَثُ فِي وَجْهِهِ عَنِّي،
أَمْ كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْهُ فِيَّ؟
أَمَّا أُمِّي،
فَكَانَتْ تَمْشِي بَيْنَ يَدَيْنِ:
يَدٌ تُرَبِّي،
وَيَدٌ تَسْتُرُ الْفَرَاغَ.
لَمْ تَكُنْ تَمْلَأُ مَكَانَ أَحَدٍ،
كَانَتْ تَصْنَعُ لِي مِنَ الْغِيَابِ
مَكَانًا لِلْحَيَاةِ.
وَتَتْرُكُ لِلزَّمَنِ
مَهَمَّةَ التَّسْمِيَةِ.
مَرَّتِ السِّنُونَ،
وَصَارَ الْغِيَابُ أَلْفَةً،
وَصَارَ الِاسْمُ جُزْءًا مِنِّي،
حَتَّى لَمْ أَعُدْ أَعْرِفُ:
أَأَحْمِلُ اسْمَهُ،
أَمْ أَنَّ اسْمَهُ هُوَ الَّذِي يَحْمِلُنِي؟
وَعَرَفْتُ، مُتَأَخِّرًا،
أَنَّ بَعْضَ الْغِيَابِ
لَا يُغَادِرُ الْبَيْتَ،
بَلْ يَنْتَقِلُ إِلَى أَعْمَقِ مَا فِينَا.
وَأَنَّ الْإِنْسَانَ
قَدْ يَقْضِي عُمْرَهُ
لَا لِيَعْرِفَ مَنْ كَانَ،
بَلْ لِيَفْهَمَ مَنْ أَصْبَحَ
بَعْدَ أَنْ غَابَ.
لِذَلِكَ،
حِينَ أَقُولُ: أَنَا سُلَيْمَانُ،
لَا أَنْطِقُ اسْمًا فَقَطْ؛
أَنَا أَلْمَسُ أَثَرًا
مَا زَالَ دَافِئًا
رَغْمَ كُلِّ هَذَا الْبُعْدِ.
وَرُبَّمَا لَمْ أَكُنْ،
مُنْذُ الْبِدَايَةِ،
إِلَّا ذَلِكَ الطِّفْلَ
الَّذِي وُلِدَ بَعْدَ أَنْ رَحَلَ أَبُوهُ،
فَجَاءَهُ مِنْهُ اسْمٌ،
وَبَقِيَتْ لَهُ أُمٌّ
تَكْفِيهِ عَنِ الْغِيَابِ
وَلَا تُلْغِيهِ.
*****
بقلم ✍️ سليمان بن تملّيست
جربة في 2026/09/29
الجمهوريّة التونسيّة
شكرا لكرم مروركم