قصيدة :ألحانُ الوحدة بقلم شاعر الواحة : بشير قادري
في المساءِ
أزاولُ تقمّصَ وجهي
على المرايا
وأبحثُ عنّي
بينَ الشظايا
وطيفُكِ لا يتوانى
أن يوقظَ في الليلِ
قصفي
ويجرَّ الدروبَ
إلى حتفي.
أعاشرُ نجمًا وحيدًا
يراقصُ فوقَ سماءِ القوافي
خطايَ
فأسكرُ من وقعِ
أنغامِ عزفي
أخبّئُ وجهي
خلفَ وجوهٍ
تلوّنُ سحبي
وتُعجبها نبرةُ
العزفِ في صوتي
كأنّي فنانٌ محترفُ
أروّضُ جرحَ النايِ،
ثم أعودُ
إلى صمتي
لأعزفَ نزفي.
سطّري الجرحَ.
جرحًا تلوَ الجرحِ،
ونامي على وقعِ
آهاتي وألحانِ همسي
فما عادَ في القلبِ
غيرُ الأنينِ
وغيرُ بقايا
من الأمسِ
توقظُ حسّي وحدسي
تساقطتْ أحلامُ الأمسِ
ورقةً... ورقةْ،
وصارَ رمادُ السنينِ
على راحتي
يستريحْ،
وأصغيتُ للماضي
فجاءَ بعيدًا
يهزُّ رمادَ الضريحْ
ويفتحُ في القلبِ
بابًا قديمًا
ويوقظُ في الروحِ
عطرَ الربيعْ.
ولكنَّ أوهاميَ
انهارتْ،
وكانتْ تجرُّ خطايَ
إلى المستحيلْ،
تراقبُ دمعَ النرجسِ
الذابلِ،
وتحلمُ أن يستعيدَ
الربيعُ
زمانَ العرسِ
الراحلِ.
فقد غدا الهيامُ
عنوانَ بؤسي
وقد صارَ الهوانُ
حبيبَ نفسي
وصرتُ أرى
في انكساري
ملاذًا
يحميني منّي.
فلا تقتربي
واتركيني
لهوسي
لقفاري
لأسفاري
لصمتي
ولناموسي
لا تلتبسي
فالشعرُ بعضُ حياتي
والنايُ حينَ يخذلني
الناسُ
مؤنسي.
سأبقى هنا
حتى يجيءَ الصباحْ
وحتى يزولَ
بقايا الطيفْ،
وحتى أرى
في مرايايَ
وجهي
بلا خوفِ
هذا الخريفْ.
سأخرجُ من كبوتي
من محبسي،
من ظنّي القديمْ،
وأكسرُ قيدَ
السنينِ
الذي كانَ
يُثقلُ نفسي.
سأمضي
بلا رقيبٍ.
بلا حسيبٍ
بلا ظلِّ وجهٍ
يبدّلُ وجهي
وبلا وهمِ حبٍّ
يجرُّ خطايَ
إلى حيثُ لا أدري
سأمضي
وفي آخرِ الليلِ
حينَ يسكتُ النايْ
سأسمعُ صوتي
لأوّلِ مرّةْ.
وأعرفُ أنَّ الوحدةْ
لم تكنْ موتَ روحي
ولكنّها
كانتِ اللحنَ
الذي علّمني
كيفَ أستردُّ
نفسي.
فإن كانَ هذا
هو لحنَ وحدتي
فليكنْ
سأغنّيهِ
حتى الصباحْ
وأمضي
حرًّا...
فقد آنَ للروحِ
أن تستعيدَ
نبضَها،
وأن تستعيدَ
نفسَها،
وأن تستعيدَ
وجهي.
شكرا لكرم مروركم