حين تفشّى فينا العذاب
بقلم: شاعر الواحة بشير قادري
في زمانٍ قد تمادى
في عذابٍ يتعاظمْ
كلُّ شيءٍ في ليالينا
تداعى ثم انهارْ
وتفشّى فينا العذابُ
كنباتٍ يتوحّشْ
وانطوى زمنُ الغرامِ
وانطفأتْ فينا المرايا
واستدارتْ عن وجوهِ الضوءِ
واستبدَّ بنا الظلامْ.
يا زمانَ الغرائبْ
يا زمانَ العجائبْ
كم رمينا من أمانينا
على دربِ المصائبْ
فرجعتْ خاسئةَ الطرفِ
تجرُّ خلفَها خيبتَها
في رمالِ التيهِ
مذعورةَ الخطواتْ.
وأحاطَ القهرُ بنا
فأقامَ حولَ خطانا
جدرانًا من الخوفْ
وأغلقَ الأبوابَ
حتى استحالتْ خطانا
ظلالًا تئنُّ
على عتباتِ الصمتْ.
في صحارى الوحدةِ الكبرى
والغيابِ الممتدِّ
تساقطتْ أمانينا
كأوراقِ الخريفِ
فوقَ أرصفةِ الذبولْ
وانطفأ وجهُ الدليلْ
فصرنا نمشي بلا أثرٍ
وننادي في فراغِ القولِ:
هل من مجيبْ؟
وأسدلَ الليلُ علينا
أسرابَ همومِهِ
ورمى فوقَ صدورِنا
حجرًا إثرَ حجرْ
فغدتْ خيامُ العشقِ
في بوادينا
تئنُّ بلا نجومْ
وتلملمُ جرحَها
وتسألُ عن غدٍ
غابَ خلفَ الغيومْ.
وجاءنا الحزنُ الثقيلُ
دون ميعادٍ
يجرُّ خلفَهُ
نعشَ الأغاني
ويطرقُ أبوابَ القلوبِ
كغريبٍ ضلَّ
في ليلِ التيهِ
عنوانَ الدارْ.
فلم يكنْ للقلبِ بابٌ
يستريحُ إليهِ
فشقَّ في جدارِ الصمتِ
نافذةً صغيرةْ،
يطلُّ منها على الأبدْ
وظلَّ كلَّ ليلةٍ
يقرعُ بابَ المستحيلْ
لعلَّ خلفَ الصمتِ
صوتًا يستجيبْ.
وحين تحرقُنا الدموعُ
في مآقي العاشقينْ
يجيءُ سجّانُ الأحلامِ
يمشي نحوَ أعمارِ السنينْ
يطفئُ المصباحَ فينا
بأصابعَ من رصاصْ
ويصفّدُ ظلَّنا المتعبَ
عن حلمِهِ
وعن الخلاصْ.
يقطفُ النجمَ من الأعالي
ويطفئُ في العيونِ
آخرَ الضوءِ للرجاءْ
ثم يمضي هادئًا
كأنَّهُ لم يقتربْ
كأنَّهُ ظلٌّ
يجرُّ ظلَّهُ
بلا صوتٍ
بلا وجهٍ
بلا ملامحْ.
كمن ينازعُ دون أهلٍ
دون أحبابٍ ودارْ
يمرغُ القلبَ الكسيرَ
في وحولِ الانتظارْ
ثم ينهضُ رغمَ ما فيهِ
يمسحُ عن وجهِهِ
غبارَ الانكسارْ،
وينظرُ خلفَ الجدارْ.
كمن يمشي الهوينا
فوقَ أشواكِ الطريقْ
كلما مدَّ يديه
نحوَ حلمٍ
أفلتَ الحلمُ منه
وشاخَ العمرُ
في كفِّ الغريقْ.
ومع هذا
ما يزالُ في دمائنا
نبضُ عشقٍ لا يموتْ
كلَّ فجرٍ
يطرقُ الأبوابَ فينا
ويوقظُ وردةً
تمشي على جمرِ السكوتْ.
فإذا ما انشقَّ ليلُنا
عن صباحٍ من أملْ
زرعنا في الصحارى
وردةً من دمِنا
تنهضُ من بينِ أيدينا
وتنادي بأسمائنا
ثم تمضي فوقَ أشواكِ الرملِ
مرفوعةَ الجبينْ.
ونقولُ للعمرِ:
إنّا رغمَ هذا العذابْ
لم نبعْ آخرَ حلمٍ
ولم نغلقْ بابَنا
في وجهِ شمسِ الحبِّ
مهما طالَ الغيابْ.
فما زالَ في دمائنا
طفلٌ صغيرْ
يؤمنُ أنَّ الفجرَ
يولدُ من رحمِ الظلامْ
يزرعُ وردةً
ويحملُ حلمَهُ
ويمضي... الجزائر . وهران في 2026/08/14
شاعر الواحة: بشير قادري
شكرا لكرم مروركم