مؤسسة العيون الثقافية

موقع ثقافي يعنى بالادب بكل انوعه على انه رسالة سلام ولغة توحد العالم

random

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

شكرا لكرم مروركم

مجزة النفس/نور السماوي

 مجرّة النفس 


في لحظةٍ لم يَرَني فيها أحد،

أغلقتُ النوافذ،

وفتحتُ بابًا... في داخلي. 


لا بابًا خشبيًّا،

ولا بابًا من حجرٍ أو فولاذ...

بل بابًا يشبه غفوةً في منتصف اليقظة،

يشبه لحظةَ بكاءٍ دون سبب،

أو رعشةَ ذكرى تعود دون إذن. 


دخلتُ…

ولم أكن أعلم أن الطريق إليّ

أطول من الطريق إلى المريخ! 


كل شعورٍ خفتُ أن ألمسه،

جلس هناك…

ينتظرني بصمتٍ حكيم،

وعينينِ لا تُنكران الألم،

ولا تتوسّلان العذر. 


في أول دهليز،

وجدتُ الطفولةَ تكتبُ على الحائط:

"كنتَ تضحك كثيرًا… لماذا توقفت؟" 


وفي الرواقِ الآخر،

كانت الأمنيةُ العتيقةُ تُغنّي

بصوتٍ خافت:

"إنّي ما زلتُ هنا… رغم غبار الخيبات." 


مررتُ على رفوفٍ مغطّاةٍ بالنسيان،

كُتبٌ بلا عناوين،

صناديقُ فيها أسماءُ أشخاصٍ

نسيتُ أنني نسيتُهم… 


وتنهّدتُ. 


في الطابقِ الأعلى من قلبي،

رأيتُ غرفةً مضاءةً بنجمٍ سقط فيّ،

لا خارجي، بل فيّ...

وهناك، جلستُ أمام مرآةٍ

لا تعكس وجهي،

بل تعكس ما خُفي منه. 


سألتها:

— "هل أنا ما أبدو عليه؟"

قالت:

— "أنتَ أكثر مما تظن، وأقل مما تدّعي،

أنتَ مجموعُ ما لم تبح به." 


ضحكتُ،

لا لأنّ الأمر مضحك،

بل لأنّني تذكّرتُ كم من مرةٍ

ادّعيتُ أنني بخير،

وصدّقوني... 


واصلتُ السير. 


في زاويةٍ مظلمة،

كانت مخاوفي تجلسُ متعبة،

لم تعد تملك قوّة إخافتي،

لكنها ما زالت... تهمس. 


وفي ركنٍ آخر،

كانت الأحلام التي لم تتحقّق

ترقصُ على لحنٍ بطيء،

كأنها تقول:

"حتى لو تأخّرتَ، نحن ننتظرك." 


جلستُ هناك،

وحولي كلّ ما كنتُ،

وكلّ ما خفتُ أن أكون،

وكلّ ما لم أعرفه عن نفسي بعد... 


أغمضتُ عيني،

وقلتُ:

"يا لَروعة أن أضيع فيّ،

أن أكون الكون، والمجرة، والنبض،

وكل هذا… دون أن أغادر مكاني. 


وبينما أنا هناك،

أُحدّق في المجرّة التي تَسكنني،

سمعتُ نبضًا ليس قلبي،

لكنّه... من قلبي. 


صوتًا ليس كالصوت،

بل همسًا يشبه الحقيقة حين تخلع أقنعتها. 


قال لي:

"كفاك حفرًا في الماضي،

إن الجرح الذي تُقلّبه...

يريد أن ينام." 


فهمتُ — أخيرًا —

أنّ ليس كل سؤالٍ يحتاج جوابًا،

وأنّ بعض الإجابات... تولد حين نصمت. 


رأيتُ حزني جالسًا هناك،

يكتب رسائل اعتذارٍ إلى الغد،

ورأيتُ الغد... يغفر. 


كان الضوءُ قليلًا،

لكنّه كان كافيًا

لأُبصرني دون مرآة،

وأحبّني دون شروط. 


عندها، نهضتُ.

لا لأنّ الرحلة انتهت،

بل لأنّني صرتُ أراها تبدأ من كلّ مكان،

في كلّ نظرة، في كلّ صمت،

في كلّ جرحٍ… يبتسم. 


خرجتُ منّي،

لكنني خرجتُ بي.

أُشبهني... أكثر.

أفهمني... أكثر.

أحبّني... كما أنا. 


 نور السماوي

عن الكاتب

عواطف رشيد

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

مؤسسة العيون الثقافية