قصة حين تبتسم الأوجاع للقدر
بِقَلَمِ الْقَاصِّ: بَشِير قَادْرِي
فِي الرَّاشِدِيَّةِ يَتَوَقَّفُ الْخَرِيفُ عِنْدَ بَابِ الْمَقْبَرَةِ وَلَا يَدْخُلُ. لِهَذَا بَقِيَتِ الْعِظَامُ دَافِئَةً، وَبَقِيَتْ تَبْتَسِمُ لِلْقَمَرِ كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهَا مَقْلُوبًا فِي الْبِرْكَةِ الرَّاكِدَةِ. قَالَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ إِنَّ الْبِرْكَةَ لَا تَعْكِسُ السَّمَاءَ، بَلْ تَعْكِسُ مَا تَحْتَ الْأَرْضِ. وَلَمْ يُكَذِّبْهُمْ أَحَدٌ، لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يَجْرُؤْ عَلَى النَّظَرِ طَوِيلًا.
جَاءَتْ رِيمُ عِنْدَ فَجْرِ تِشْرِينَ الْأَخِيرِ تَحْمِلُ فِي جَيْبِهَا الْأَيْمَنِ بَذْرَةً لَا تَعْرِفُ مِنْ أَيْنَ جَاءَتْ. حَفَرَتْ بِإِصْبَعِهَا حَتَّى نَزَفَ الطِّينُ، ثُمَّ دَفَنَتْهَا. قَالَ نَادِرٌ، وَكَانَ قَدْ تَبِعَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْرِيَ لِمَاذَا:
— مَاذَا تَزْرَعِينَ؟
— مَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْبُتَ.
— هَذَا عَبَثٌ.
— الْعَبَثُ أَنْ تَنْتَظِرَ مَطَرًا تَعْرِفُ أَنَّهُ لَنْ يَأْتِيَ. أَنَا لَا أَنْتَظِرُ. أَنَا أَتَذَكَّرُ أَنَّ الْبَذْرَةَ كَافِيَةٌ.
جَلَسَ نَادِرٌ عَلَى حَافَّةِ قَبْرٍ بِلَا اسْمٍ. كَانَ فِي الثَّالِثَةِ وَالثَّلَاثِينَ، وَكَانَ قَدْ نَسِيَ أَنْ يَحْلُمَ مُنْذُ سَنَوَاتٍ، وَلِهَذَا ظَنَّ أَنَّ الْيَقِينَ فَضِيلَةٌ.
— الْبَذْرَةُ لَا تَكْفِي، قَالَ. الْبَذْرَةُ وَعْدٌ، وَالْوُعُودُ تَكْذِبُ.
— وَأَنْتَ؟ مَاذَا زَرَعْتَ؟
— لَا شَيْءَ. أَنَا رَجُلٌ يَعْبُرُ.
— الْعَابِرُونَ لَا يَتْرُكُونَ أَثَرًا.
— لَكِنَّهُمْ لَا يَتَأَلَّمُونَ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ، وَكَانَ الْقَمَرُ قَدِ اسْتَدَارَ فِي الْبِرْكَةِ كَأَنَّهُ يَسْتَمِعُ:
— مَنْ قَالَ لَكَ إِنَّ الْأَلَمَ خَطَأٌ؟ الْأَلَمُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّكَ مَا زِلْتَ هُنَا.
حِينَئِذٍ حَدَثَ مَا لَمْ يَحْدُثْ فِي الرَّاشِدِيَّةِ مِنْ قَبْلُ: تَحَرَّكَ الْقَبْرُ الَّذِي يَجْلِسُ عَلَيْهِ نَادِرٌ، وَانْزَلَقَ حَجَرُهُ، وَظَهَرَ تَحْتَهُ اسْمٌ مَحْفُورٌ بِخَطِّ رِيمَ نَفْسِهَا. اسْمُ نَادِرٍ. وَتَارِيخُ غَدٍ.
لَمْ يَصْرُخْ. نَظَرَ إِلَى الْحَجَرِ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ بِهُدُوءٍ جَعَلَ رِيمَ تَخَافُ:
— إِذَنْ أَنَا الْقَبْرُ، وَأَنْتِ الْبَذْرَةُ.
— لَا. أَنْتَ الْجِسْرُ. أَنَا مَنْ يَزْرَعُ.
— الْجِسْرُ لَا يُزْرَعُ.
— وَالْجِسْرُ لَا يُعْبَرُ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ.
مَدَّ يَدَهُ لِيُصَافِحَهَا، فَمَرَّتْ يَدُهُ فِي يَدِهَا كَأَنَّهَا ضَوْءٌ. لَمْ يَرْتَجِفْ. قَالَ:
— الْغُفْرَانُ أَنْ نَنْسَى.
— الْغُفْرَانُ أَنْ تُصْبِحَ جِسْرًا لِمَنْ يَعْبُرُ، حَتَّى لَوْ عَبَرَ عَلَيْكَ مَنْ جَرَحَكَ.
تَفَرَّقَا عِنْدَ الْفَجْرِ كَمَا يَتَفَرَّقُ الضَّوْءُ وَالظِّلُّ، لَا غَضَبَ، لَا حُزْنَ، لَا فَرَحَ، فَقَطْ يَقِينٌ بِأَنَّ الْعُبُورَ قَدِ اكْتَمَلَ. وَمَشَى كُلٌّ مِنْهُمَا إِلَى بَيْتِهِ يَحْمِلُ نِصْفَ الْكَلِمَةِ.
كَانَتِ الْكَلِمَةُ قَدِ انْتَقَلَتْ مِنْ فَمِ نَادِرٍ إِلَى صَدْرِ رِيمَ، وَمِنْ صَدْرِهَا إِلَى الْجِسْرِ، وَمِنَ الْجِسْرِ إِلَى الْبَذْرَةِ، وَمِنَ الْبَذْرَةِ إِلَى التُّرَابِ، وَمِنَ التُّرَابِ إِلَى الرِّيحِ، وَمِنَ الرِّيحِ إِلَى الْقَمَرِ، وَمِنَ الْقَمَرِ إِلَى انْعِكَاسِهِ الْمَقْلُوبِ فِي الْمَاءِ. وَهُنَاكَ، فِي الْمَاءِ، انْقَلَبَتِ الْكَلِمَةُ وَصَارَتْ بَذْرَةً أُخْرَى. لِهَذَا لَمْ يَمُتِ الْخَرِيفُ فِي الرَّاشِدِيَّةِ.
فِي اللَّيْلَةِ التَّالِيَةِ عَادَتْ رِيمُ إِلَى الْمَقْبَرَةِ، لَا لِتَزُورَ، بَلْ لِتَتَأَكَّدَ أَنَّ الْحُفْرَةَ مَا زَالَتْ حُفْرَةً. لَكِنَّهَا وَجَدَتِ الْحُفْرَةَ فَارِغَةً، وَفِي مَكَانِهَا جِسْرًا صَغِيرًا مِنْ جُذُورٍ بَيْضَاءَ يَعْبُرُ الْبِرْكَةَ. وَعَلَى الْجِسْرِ طِفْلٌ لَمْ يَبْلُغِ السَّابِعَةَ، يَلْبَسُ مِعْطَفًا مِنْ مَطَرٍ لَمْ يَأْتِ، وَيَنْظُرُ إِلَيْهَا كَأَنَّهُ يَعْرِفُهَا مِنْ حَيَاةٍ سَابِقَةٍ.
سَأَلَتْهُ:
— هَلْ جَاءَ الْمَطَرُ؟
أَجَابَ:
— لَا.
— جَيِّدٌ. لَوْ جَاءَ لَمَا احْتَجْتِ إِلَيَّ.
ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ، وَفِي رَاحَتِهِ بَذْرَةٌ. نَفْسُ الْبَذْرَةِ. فَابْتَسَمَتِ الْعِظَامُ فِي الْمَقْبَرَةِ، وَاسْتَقَامَ الْقَمَرُ فِي الْبِرْكَةِ لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ سَنَوَاتٍ، وَعَرَفَتْ رِيمُ أَنَّ الْغُفْرَانَ لَيْسَ أَنْ تُغْفَرَ، بَلْ أَنْ تُصْبِحَ جِسْرًا لِمَنْ يَعْبُرُ.
وَفِي الرَّاشِدِيَّةِ، فِي خَرِيفٍ آخَرَ، سَيَعْبُرُ نَادِرٌ ذَلِكَ الْجِسْرَ دُونَ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّهُ يَعْبُرُ رِيمَ. وَحِينَ يَصِلُ إِلَى الضِّفَّةِ الْأُخْرَى، سَيَجِدُ طِفْلًا يَلْبَسُ الْمَطَرَ، يَسْأَلُهُ:
«مَاذَا تَزْرَعُ؟»
جَامِعَة، الْجَزَائِرُ، فِي 24 أُكْتُوبَرَ 2026
الْقَاصُّ: بَشِير قَادري
شكرا لكرم مروركم