مؤسسة العيون الثقافية

موقع ثقافي يعنى بالادب بكل انوعه على انه رسالة سلام ولغة توحد العالم

random

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

شكرا لكرم مروركم

الرحيل/بشيرقادري

 قصة قصيرة بعنوان : الرّحيل 

بقلم: بشير قادري

جاءت رنوة عند الغروب. كانت تمشي نحو خدرها بحياء العذارى ودلال العاشقات، بخطوات خفيّة كأنّ الأرض تخشى أن تُسمع وقعها. وفي عينيها بريق شوقٍ بعيد، أما وجهها فكان يحمل حكايات الانتظار؛ حكاياتٍ أنهكها الصّمت، ومزّق الخجلُ أستارَها حتى ذابت وحشةُ الرّوح.

كان سّفير واقفاً عند النّافذة، وحقيبته إلى جواره.

لم تقترب منه مباشرة. وقفت لحظةً تتأمّله، كأنّها تحاول أن تقرأ في ملامحه ما لم يجرؤ على البوح به. ثم وقعت عيناها على الحقيبة، فابتسمت ابتسامةً شاحبة.

قالت: ـ  تجهّزتَ للرّحيل إذن؟

لم يجب. اقتربت أكثر، ثم أضافت بصوت امتزج فيه العتاب بالحنين:

ـ  لقد شبّهتك دائماً بالطّمأنينة، فهل أدركتَ يوماً معنى ذلك؟

رفع عينيه إليها، لكنّه ظل صامتاً.

تابعت: ـ لن أسمح لك أن تعبر نحو الهاوية، أو أن تسقط في جبّ النّسيان. أعرفك أكثر مما تعرف نفسك. أعرف أنّك هيأتَ حقيبة كتبك، وأخفيتَ يراعك الذي لم يجفّ حبره بين ثنيات ملابسك، وكأنّك تستعد لرحلة لا عودة منها.

مدّت يدها نحو الحقيبة، ثم تردّدت وأرجعتها قبل أن تمسّها.

ـ أعددتَ لي عذراً جديداً لترحل؟ أم أصبحتُ عبئاً عليك؟ هل صار حضوري، أو حتى طيفي الذي كان يرافقك في وحدتك، مصدر إزعاجٍ لروحك؟

جلس سفير على حافة المقعد، وأطرق رأسه. بدا عليه ثقل الصّمت، لكنّه قال أخيراً: ـ لستِ أنتِ السّبب.

ضحكت ضحكةً قصيرة، لم يكن فيها شيء من الفرح. وقالت : ـ أعرف

سكتت لحظة، ثم أردفت:

— أنت لا تهرب مني يا سفير أنت تهرب منك

رفع رأسه إليها. كانت تلك الجملة أشدّ وقعاً عليه من كل ما قالته قبلها.

نهضت واتجهت نحو النّافذة. راقبت الشّمس وهي تنحدر ببطء خلف الأفق، والسّماء تفقد لونها شيئاً فشيئاً، ثم التفتت إليه:

ـ أتذكّر تلك الأيام؟ كنا نظن أنّ الطّريق أمامنا مفتوح، وأن العالم كله يمكن أن يتسع لخطوتين متجاورتين. ثم جاء الجفاف، لا جفاف الأرض وحدها، بل جفاف الأرواح أيضاً. فمن الذي هرب بالسّحاب بعد أن أثخنه بالجراح؟ ومن الذي شقّ صدر الأرض بمحراثه في عام الجفاف، ثم تركها وحيدة تواجه عطشها؟

عادت إليه بخطوتين. كان وجهها أقرب إليه الآن، لكنّ المسافة بينهما ظلّت أوسع مما ينبغي.


— لقد بلغ بنا الوجع حدّاً لم يعد الألم فيه يشعر بنفسه. حتى الدموع التي تجمّدت في المآقي لم تعد قادرة على غسل غربتنا.

نهض سفير. كان يريد أن يقول شيئاً، لكنّه لم يجد الكلمات. فتح فمه ثم أغلقه. رأت ذلك، فقالت: ـ لا تخدع نفسك يا سفير. لن تكون سعيداً بعيداً عن رنوة.

ابتسم بحزن: ومن قال إنّني أبحث عن السّعادة؟

أجابته بهدوء: ـ إذن عمّا تبحث؟

سكت. وكان صمته جواباً لم تستطع الكلمات أن تمنحه.

تقدمت منه حتى لم يعد بينهما سوى خطوة واحدة. نظرت إليه طويلاً، كأنها تراه للمرة الأخيرة، ثم قالت:

ـ أنت تبحث عن مكان لا تجد فيه ذاكرتك. لكنّك لا تعرف أنّ الذّاكرة تسافر مع صاحبها. ستغادر المدن والبحار والسّنين، وستحملني معك، كما تحمل ظلّك دون أن تستطيع التّخلّص منه.

وضعت يدها على الحقيبة، لكنّها لم تضغط، كأنّ اللّمسة وحدها تكفي.

ـ  السّعادة ليست مكاناً تهرب إليه، يا سفير. السّعادة هي ذلك النّور الذي كنّا نشعله معاً. عد إلى ذلك النّور، لعلّ المواسم المؤجلة تُزهر.

ظلّ ينظر إليها. كان في عينيها شيء لم يستطع تفسيره؛ مزيج من الرّجاء واليقين، كأنّها لا تطلب منه العودة، بل تذكّره بأنه لم يرحل أصلاً.

اقتربت شفتاها من أذنه، وقالت بصوت خافت يكاد يكون همساً:

ـ  إنّ حبّنا ليس حكاية عابرة تُطوى مع الزّمن، ولا ذكرى تذروها رياح الغياب. حبّنا عصيّ على الموت. وكلّما ظنّناه انتهى، عاد إلينا في هيئة نور جديد، يذكّرنا بأنّ بعض الأرواح لم تُخلق لتفترق. ساد الصمت.

نظر سفير إلى الحقيبة. للمرّة الأولى، شعر أنّها لم تكن أثقل ممّا فيها من كتب وملابس، بل أثقل مما فيها من هروب.

مدّ يده إليّها، ثم توقّف برهة. كانت الشّمس قد اختفت تماماً، ولم يبقَ في السّماء إلا شريط رقيق من الضّوء.. وفي تلك اللّحظة، ارتاب سفير من نفسه أكثر ممّا ارتاب من العالم كله؛ إذ أدرك أن الإنسان قد ينجو من المدن والبحار والسّنين، وقد يضل في دهاليز الحياة طويلاً، لكنه لا ينجو أبداً من قلبٍ عرف طريقه إليه ذات غروب.

                                                             انتهى

                              الواحات في  09 / 08 / 2026

عن الكاتب

عواطف رشيد

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

مؤسسة العيون الثقافية