حكاياتٌ من بيوت اخرى...
باريس الخالدية
في أواخر ستينيات القرن الماضي، بُنيَ العمل الشعبي في الحي المقابل للحيّ القديم الذي كنّا نسكنه. كان حيًّا من بيوتٍ صغيرة متشابهة، واطئة الكلفة، مصطفّة في خطوطٍ متراصّة، كأنها كُتبت على صفحةٍ واحدة من دفتر الفقر.
سكن تلك البيوت أهالي معسكر الحبانية آنذاك، بعد أن عُوّضوا عن بيوتهم القريبة من معسكر الحبانيه. وكان الحي على بساطة بيوته، يبدو لي يومها عالمًا آخر؛ فقد اجتمع فيه العربي والكردي والمسيحي، وأبناء طوائف شتّى، ( عراق مصغّر) فكانت الجيرة أسبق من الأسماء، والإنسانية والمحبة أوسع من كل الفوارق. عاشوا متحابين، يتقاسمون أفراحهم وأحزانهم، ولم تكن الأبواب تسأل الداخل: من أنت؟ ولا إلى أي دين أو قومية او ايّ طائفة تنتمي؟
أما نحن، أبناء الحيّ القديم، فكنا نطلّ عليه من بعيد بعين الصبي الذي يرى في البعيد شيئًا من الحلم. كانت بيوته في نظرنا مرتبة، وأهله أكثر أناقة، وشوارعه أكثر حياةً من أزقتنا الطينية. فسميناه، في براءة ذلك العمر، اسمًا لم أعرف إلى اليوم من أين جاء: باريس الخالدية.
وكانت لنا فيه حكاية أخرى، حكاية لم تكن البيوت تعرفها، ولا الشوارع تفهم سرّها...
قبيل الغروب، كان حسن -حفطه الله- الانيق يأتيني وقد أعدّ نفسه لتلك الجولة اليومية. يختار أجمل ثيابه، ويرتّب شعره المجعّدِ بعناية، ثم نمضي معًا، دورةً بعد دورة حول الحي؛ نعود من آخره إلى أوله، ثم نكرر الطريق، حتى يهبط المساء وتبدأ زرقة النهار بالانطفاء.
لم نكن نبحث، كما كنا نزعم، عن شيء بعينه. غير أن القلب، في ذلك العمر، كان يعرف ما لا يعرفه اللسان.
كان حسن، صاحب الحسّ المرهف، قد تعلّق بفتاة من إحدى العائلات من- اهل الكتاب- الساكنون بطرف الحي. فاستولى الإعجاب على قلبه، حتى أصبح الحي كله في عينيه طريقًا يؤدي إليها. كان يفتح لي صدره، ويحدثني عن شوقه وحيرته، وأنا أصغي إليه،و أخفي في أعماقي حكاية أخرى؛ فقد كان قلبي قد تعلّق بفتاة كردية من جيرانهم، لكنني لم أملك يومها شجاعة البوح بها لأحد. بل كان مجرد اعجابٍ بحبنا العذري.
وهكذا أصبح لكل واحدٍ منا عنوانٌ في ذلك الحي، وإن لم نجرؤ يومًا على طرق بابه.
كنا ندور حول البيوت عل بابهم يفتح. .في انتظار مصادفة صغيرة؛ خروج فتاة لتغسل عتبة دارها، أو تسقي نبتةً عند الباب، أو تحمل شيئًا من الداخل. لم يكن السبب مهمًّا؛ المهم أن تحدث المصادفة...
وحين يأتي المساء، وتغشى العتمة الدروب الضيقة، كنّا نراهن عليهن انهن جالساتٍ على دكّةٍ قرب الباب احيانا في عتمة الليل. .. فنمرّ من هناك، ثم نعود، ثم نمرّ مرةً أخرى، وكأن لنا في الطريق شأنًا آخر غير شأن القلب.
أما أنا، فكنت أتحسّر لرؤيتها عند الباب واقفة. أختلس إليها نظرةً خاطفة، ثم أمضي مسرعًا، متظاهرًا بأنني لم أرَ شيئًا.
لم تكن بيننا كلمة، ولا وعد، ولا حتى إشارة. كان كل ما بيننا شعورًا صامتًا من طرف واحد.. ، يكاد يكبر في داخلي كلما رأيتها.
و لا ادري ،لعلّهنّ كنّ يعرفن سرّ تلك الجولات او لا. .، وربما لم يكنّ يعبأن بنا أصلًا. أما نحن فكنا نعيش الحكاية كاملة في خيالنا؛ نصنع من النظرة موعدًا، ومن المصادفة عيدًا، ومن مرورٍ عابر قصة حب طويلة.
كانت أعمارنا صغيرة، لكن قلوبنا كانت تعرف كيف تثقلها الأحلام.
كنا نعود إلى بيوتنا بعد تلك الجولات، وقد امتلأت قلوبنا بشيء لا نعرف له اسمًا. وكان حسن أكثر تعلقًا وأجرأ مني في البوح، أما أنا، فقد عجز لساني عن الكلام، فوجدت ملاذي في الورق.
كنت أكتب ما لا أستطيع قوله.
أحوّل خجلي إلى أبيات، وأضع في القصيدة ما يعجز اللسان عن حمله. ثم أقرأ ما كتبت لحسن، فيستمع إليّ، فأشعر أنني أبوح له بكل ما أخفيه عن الناس، من غير أن أكشف له سرّي.
ومن هناك، ومن تلك الأزقة الفقيرة، وتحت ظلال بيوتٍ لم تكن تعرف أنها ستشهد ميلاد قصيدة صغيرة، بدأت حكايتي الأولى مع الشعر.
كانت قصائدي يومها خجولة مثلنا؛ تمشي على استحياء، وتبحث عن نافذةٍ صغيرة تطلّ منها على قلبٍ بعيد.
ولم أكن أعلم أن تلك الجولات حول باريس الخالدية، وتلك النظرات المسروقة من عيون المراهقة الاولى، وشكوى حسن التي كان يودعها في صدري، وذلك العشق الكردي الصامت الذي أخفيته عن الجميع، ستترك في داخلي أثرًا لا يمحوه الزمن .
لم أكن أعلم أن الأيام ستمضي، وأن البيوت ستتغير، وأن الوجوه التي كانت تملأ تلك الأزقة ستتفرق في دروب الحياة، وأن فتاةً عند بابٍ قد تصبح بعد عقود، قصيدةً كاملة.
وها أنا، بعد كل تلك السنين، أعود إليها بالكلمات.
لا لأستعيد فتاةً غابت، ولا حيًّا تغيّر، ولا زمنًا انطفأ؛ وإنما لأستعيد ذلك الفتى الذي كان يدور حول البيوت قبيل الغروب، ويتحسّر لرؤية فتاةٍ عند الباب واقفة، ثم يعود إلى بيته فيفتح دفتره الصغير ويكتب.
يكتب ولا يدري لماذا يكتب.
يكتب ولا يعرف أن الحنين الذي كان يسكنه يومها لم يكن حبًا عابرًا فحسب، بل كان البذرة الأولى لشيء سيبقى معه العمر كله.
كان يظن أنه يكتب لفتاةٍ لا تراه وتعلمه
ولم يكن يعلم أن القصيدة هي التي كانت تراه...
وأن الشعر، منذ تلك اللحظة، قد اختاره.
فقلت بوقتها
يا صاح مالي احتمالُ الصبرِ بعدهمُ
كلي إضطرابٌ فعفت القلب عندهمُ
مالي احتمالٌ فباب الدار منقفلٌ
ترى بكائي كطفلٍ حين ينفطمُ
بانت (سعاد) فعند الباب واقفةً
ولا تريد تحيدُ العين عنّهمُ
في ديرةِ العملِ الشّعبيِّ إبتدات
تلك الحكايا بها استأنس الحلمُ
اخفي بمسبحة الايام بسملتي
وما قرات باياتي فانكتم
أقمت وحدي على تابين قافيتي
وفيكِ كتبتُ وجفّ الحبرُ والقلمُ
فما الذّ عذاباً في محبتهم
وما الذّ جراحي إن يسيلُ دمُ
ٱتيك ياأوَّل الدنيا وٱخرِها
و حول بابك طول العمر يختتمُ
امنت أني بتلك الدار ضعت انا
فوق انكساري فما ابقت لنا هممُ
ادور حولي وحولي ضعت من طرقي
احوم في كسرتي كالطير حولهمُ
امشي الدروب وخطواتي مبعثرةٌ
كيف الوصول وقد خابت لنا قدمُ
وحدي أدور كما الناعور منتظراً
من قسمةِ الزرع لا في حصّتي سهمُ
انا المبعثر في فوضى مشاعرنا
من اوّل العمر صار القلب ينهضمُ
ياجمرة الشوقِ من راسي الى قدمي
أُقلِّب الجسم بالجنبين مضطرم
ممزقون وشوق في اضالعنا
فيهِ اشتعالٌ ففي اضلاعنا فحمُ
إني حسبتُ بماء العين مالهم
قضيتُ عمري أُداري بالذي لهمُ
وعشت عمري بلا شيءٍ أسرّ بهِ
من كل شيءٍ، فمن دنيايَ منحرمُ
صحراؤنا محلٌ والمشتهى مطرٌ
يموت زرعي وما ندّت لنا ديم
فجمَّعتني كفوفُ البؤسِ في عجلٍ
حتى رمتني بجدبٍ كلهُ عدمُ
امشي وراء سرابٍ ما ارتوى عطشي
وفوق ارضي تنامى الشوك يزدحمُ
ما سامعي قلبهُ المعجون من حجرٍ
وهل سمعتَ بيومٍ يسمع الصنمُ
ساحمل الجدب في كفيَّ سنبلةً
وفي عيوني بها يستأنس الحلم
تغفو جراحي وفي اوتار حنجرتي
لحنٌ ، ويعزف في قيثارتي
شكرا لكرم مروركم