مؤسسة العيون الثقافية

موقع ثقافي يعنى بالادب بكل انوعه على انه رسالة سلام ولغة توحد العالم

random

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

شكرا لكرم مروركم

صندوق مليء بمفاتيح صدئة/نوري بيخالي

 صندوقٌ مليءٌ بمفاتيحَ صَدِئة

نوري بيخالي - أربيل


بَعدَ أنْ نَفَضَ غُبارُ الطَّريقِ تَعَبَهُ،

كأَنَّهُ زَفِيرٌ مَذبوحٌ ومُنهَكٌ،

واستَكانَ علَى أَكتافِنا، رِقَابِنا، وثِيابِنا،

أَغلَقَتِ النِّساءُ بِأيدٍ وادِعَةٍ،

تِلكَ الصَّناديقَ العَتِيقَة؛

الصَّناديقَ التي كَانَتْ تَفُوحُ بِعِطرِ القُرُنْفُلِ،

وتُخبِئُ بَينَ طَيَّاتِ الثِّيابِ

رسائلَ اصْفَرَّتْ،

وصُوراً صَامِتَةً،

وخُصَلَ شَعرٍ بَيضاءَ مَنسِيَّة


مِثلَمَا تَلُوذُ الطُّيُورُ

بِجِذْعِ شَجَرَةٍ هَرِمَةٍ

لِتَتَّقِيَ لَيالِيَ الرِّيحِ،

نَامَ الأَطفَالُ فِي المَلجَأِ؛

ذَاكَ المَكانِ الذِي كَانَ مَذخُوراً دَائِماً

لِلخَوفِ، لِلمَطَرِ، ولِدَوِيِّ الرَّصَاص


كَانَ اللَّيلُ،

كَسَكرانٍ مُشَرَّدٍ بِلا مَأوى،

يَتَرنَّحُ فِي مِشيَتِهِ،

كَسَيَّارَةٍ مَطفُوئَةِ المَصَابِيحِ

تَمْضِي بطُولِ الزُّقَاقِ الضَّيِّقِ،

تَرتَطِمُ بِالجُدرانِ والأَشجَار؛

وكَانَ صَدَى مَجْدٍ مَكسُورٍ يَأْتِي مِن بَعِيدٍ،

فِيما كَانَ كَلبٌ يَبكِي بِلا سَبَب


أَبِي، قَبلَ أَن يَنَامَ دَائِماً،

ودُونَ أَن يَشرَبَ مِنهُ،

كَانَ يَمْلأُ كَأْساً مِنَ المَاءِ

ويَضعُهُ عَلَى الرَّفِّ،

ثُمَّ يَقُولُ بِصَوتٍ عَمِيقٍ، كَأَنَّهُ آتٍ مِن تَحتِ التُّرابِ:

«البُيُوتُ تَعطَشُ فِي اللَّيل»


وكُنَّا نُصَدِّقُهُ،

لأَنَّنا كُنَّا نَعلَمُ

أَنَّ الجُدرانَ أَيضاً تَئِنُّ أَحياناً مِنَ الوَحدَةِ،

وأَنَّ النَّوافِذَ،

حِينَ يَتأَخَّرُ المَطَرُ،

تَرْنُو إِلَى الخَارِجِ بِأَعْيُنٍ مُظلِمَة


الآنَ، ومُنذُ سَنَواتٍ،

مَا زَالَ ذَاكَ الكَأْسُ قَائِماً فِي المِشكَاةِ؛

تَبَخَّرَ نِصفُ مَائِهِ،

لَكِنْ، كَأَنَّ يَدَ أَبِي مَا زَالَتْ تَحرُسُهُ،

إِذْ لَمْ يَجرُؤِ الغُبَارُ يَوْماً

أَنْ يَسْتَقِرَّ عَلَيهِ بِالكَامِل


عِندَمَا مَاتَ خَالِي،

تَحَدَّثَتْ عَائِلَتُنا لِشُهُورٍ بِهَمسٍ خَفِيضٍ،

وكَانَتِ الأَطبَاقُ والمَلَاعِقُ،

تَرتَطِمُ بِبَعضِهَا بِأَصْوَاتٍ خَافِتَةٍ،

فِيما كَانَتْ سَاعَةُ الحَائِطِ،

كَشَيْخٍ ضَجِرٍ،

تَعُدُّ ثِقْلَ الوَقتِ وتَئِنّ


كَأَنَّها تَنتَظِرُ عَوْدَةَ ضَوْءٍ

أَضَلَّ طَرِيقَهُ؛

كَانَتْ أُمِّي، كُلَّ صَبَاحٍ، تَغسِلُ السَّتَائِرَ،

فَتَهْتَزُّ السَّتَائِرُ عَلَى حَبلِ الغَسِيلِ

بِهُدُوءٍ، كَأَعْلَامِ بَيْتٍ خَلا مِنَ الأَنبَاءِ


فِي تِلكَ السَّنَةِ،

حَتَّى الزُّهُورُ فِي أَصَاصِهَا

تَفَتَّحَتْ بِصَوتٍ خَفِيتٍ،

وانْتَشَرَتْ رَائِحَةُ الشَّايِ فِي الغُرَفِ

كَذِكرَى حَزِينَة


تَحتَ السِّلالمِ،

كَانَ هُنَاكَ صُندُوقٌ

مَلِيءٌ بِمَفَاتِيحَ صَدِئَة؛

مَفَاتِيحِ الأَبوَابِ القَدِيمَةِ،

مَفَاتِيحِ الغُرَفِ المُغلَقَةِ،

ومَفَاتِيحِ الأَمَاكِنِ التِي مَاتَ أَصحَابُهَا،

أَو رَحَلُوا فِي لَيلَةٍ غَابَ قَمَرُهَا دُونَ وَدَاعٍ؛

مَعَ ذَلِكَ، لَمْ نَجِدْ بَاباً وَاحِداً

يُمْكِنُ أَنْ تَفتَحَهُ هَذِهِ المَفَاتِيح


أَخِيراً،

وَضَعَتْ أُمِّي أَحَدَهَا فِي يَدِي؛

كَانَ المِفْتَاحُ بَارِداً،

تَفُوحُ مِنهُ رَائِحَةُ الصَّدَأِ والمَطَرِ العَتِيقِ،

وقَالَتْ:

«ثَمَّةَ أَشْيَاءُ لَا تَحتَاجُ إِلَى أَبوَابٍ لِتَكُونَ مُغلَقَة»


الآنَ،

كُلَّمَا فَكَّرْتُ فِي الحُبِّ،

أَتَذكَّرُ

كَيفَ كَانَتْ أُخْتِي، قَبْلَ الهُطُولِ،

تَجْمَعُ الثِّيابَ مُسرِعَةً عَنِ الحَبلِ؛

كَأَنَّ السَّمَاءَ

تَذَكَّرَتْ شَيئاً ثَقِيلاً جِدّاً،

لَمْ تَعُدْ تَقْوَى عَلَى حَمْلِهِ فِي قَلبِهَا


فِي جَوْفِ بَيْتِنا،

كَانَ الوَقتُ يَمشِي وِئَاماً،

الحَلِيبُ يَحمَضُ فِي الثَّلَّاجَةِ،

الخُبْزُ يَشِي بِرَائِحَةِ دِفْءٍ مُنهَكٍ،

الأَبوَابُ تَتَشَنَّجُ شَرَايِينُهَا،

والنَّوافِذُ،

تَمُوتُ بَعْدَ كُلِّ شَهِيقٍ وزَفِير


والتِّلفَازُ الأَسوَدُ والأَبيَضُ،

لِوَقتٍ طَوِيلٍ،

لَمْ يَكُنْ يَبُثُّ سِوَى لَوْنِ اللَّا لَوْنِ،

وصَوْتِ الصَّمْتِ؛

صُوَرُ رِجَالٍ بِلَا أَسمَاءَ،

تَظْهَرُ وتَختَفِي عَلَى الشَّاشَةِ المُضطَرِبَةِ،

ولَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَدْرِي

مِنْ أَيْنَ تَبْدَأُ كُلُّ هَذِهِ الأَنبَاءِ عَنِ الحَرْبِ والدَّمِ،

وفِي قَلْبِ مَنْ سَتَنْتَهِي


فِي ذَاتِ مَسَاءٍ،

حِينَ أُشْعِلَ مِصْبَاحُ البَاحَةِ،

وتَسَلَّلَتْ رَائِحَةُ التُّرَابِ المَبْلُولِ بِرِفْقٍ إِلَى الغُرْفَةِ،

قَالَتْ أُمِّي بِابتِسَامَةٍ عَذْبَةٍ،

يَتَوارَى الحُزْنُ خَلْفَ مَلَامِحِهَا:

«يَا بُنَيَّ، الضَّوْءُ لأَنَّهُ رَأَى أَشْيَاءَ كَثِيرَةً، غَالِباً مَا يَضِيعُ فِي نَفْسِهِ، فَيَنْطَفِئُ مِنْ تِلْقَاءِ ذَاتِهِ»


الآنَ، فِي كُلِّ لَيْلَةٍ،

حِينَ أُطْفِئُ مِصْبَاحَ غُرْفَتِي،

أَشْعُرُ أَنَّ الظَّلَامَ لَمْ يَأْتِ بِمُفْرَدِهِ؛

بَلْ إِنَّ أَبِي،

بِكَأْسِ مَائِهِ،

جَالِسٌ تَحْتَ المِشْكَاةِ،

أُمِّي تَغْسِلُ سِتَارَةً،

أُخْتِي تَجْمَعُ الثِّيَابَ بِلَهْفَةٍ،

وأَنَا، تَحْتَ السِّلَالِمِ،

مَا زِلْتُ أَبْحَثُ عَنِ البَابِ الذِي

لَمْ تَفْتَحْهُ تِلْكَ المَفَاتِيحُ الصَّدِئَةُ أَبَداً


عن الكاتب

عواطف رشيد

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

مؤسسة العيون الثقافية