(وداع الحجيج)
وقفتُ أنظرُهُمْ إذ غادروا الدّارا
وخلّفوا خلفَهمْ شوقاً وأُوّارا
قد ودّعوا قومَهمْ للّه هجرتُهمْ
ومَن يريدُكَ ربّي نالَ أوطارا
وجالَ طرفي بذكرى كم تُحرّقُني
في دربِ حجٍّ لبيتِ اللّهِ مُذ زارا
وعادَني ذِكْرُ تُربٍ قد شممْتُ بهِ
أريجَ جنّةِ ربّي فاحَ مِعطارا
ورحْتُ أذكرُ روضاً فاضَ دمعي به
في حبِّ أحمدَ إنْ أخفيتُهُ ثارا
تعلّقَ القلبُ روضاً ما رأيتُ لهُ
مثيلَ حُسنٍ ولا ألفيتُ أَنوارا
و إذ رأيتُ بقيعاً سِرْتُ في خجلٍ
بينَ القبورِ وقد أبديْنَ إيثارا
ولم يحيدوا ولم يرضَوْا بمثلَبَةٍ
وقدّموا المالَ والأرواحَ إِعذارا
لمّا انطلقْنا إلى أمِّ القرى قُطِعَتْ
نِياطُ قلبي و فاضَ الدّمعُ مِدرارا
إذ كيف أرضى فراقَ المصطفى وأنا
من حبِّهِ لا أطيقُ البُعدَ أمتارا
سألتُهُ العَوٍدَ ثمَّ العَودَ مرتجياً
لعلّني ألتقي المحبوبَ تكرارا
سِرْنا بصحراءَ قد سارَ الحبيبُ بها
ألفيتَني أنتضي في اللُّبِّ أفكارا
أغمضْتُ عيني عسى يبقى الخيالُ بها
وإنّهُ جاثمٌ في البالِ تذكارا
وقفتُ بالبيتِ أرنو سحرَ كعبتِهِ
ما أروعَ السِّحرَ ما أبهاهُ إبهارا
و طُفْتُ لَبّيْتُ كم لِلْبيتِ هالتُه
رأيتُ أنوارَهُ زادَتهُ أسرارا
رجوتُ ربّي بقلبٍ خاشعٍ خجلاً
عساهُ يُكرِمُني بالحجِّ أدوارا
يا ربّ بالمصطفى والآلِ كلِّهِمِ
والصّحبِ فاجعلْ لنا لِلعَودِ أقدارا
أكرمْ بِهمْ ربّنا عبداً أتاكَ ولمْ
يُشرِكْ ولم يَكُ بالرّحمنِ كفّارا
إنّا على بابِكَ اللّهمَ فالْطُفْ بنا
تُحِطْ بنا رحمةٌ تنثالُ أسوارا
د غياث حمدي كركة
سورية دمشق
شكرا لكرم مروركم