قصة قصيرة
هلوسات رحلة
صداعٌ يقض مضجعي، لم تنفع معي "حبوب البنادول" ولا المسكنات، قبلها شعرت بوخزة موجعة في صدري
– ما دمت تجلس قبالة التلفاز وعلبة السكائر بجانبك فلن ينفعك أي دواء
هكذا قالت لي زوجتي وهي تقدم لي الشاي
- كفي عن الثرثرة يا امرأة فما بيَّ يكفيني، ربما هي بداية افلونزا
– أرحم نفسك وارحمنا يا رجل
لم أجبها فأني أسمع صهيل وحوافر الخيول في رأسي ومعاول الهدم، صوت الجرافات، صراخ النساء والأطفال، أنين العجائز وهي تطلب النجدة ولا أحد يجيب... طفل يصرخ....
– سأخبر الله عنكم بكل شيء
أسكته صاروخ أسقطته طائرة فانتوم تحوم فوق مدينته كأنها في نزهة..
أسرعت بغلق التلفاز وهرعت إلى فراشي، رأسي يكاد ينفجر، صدى الأصوات يهز سريري، من خلف زجاج النافذة شاهدت ولدي الأصغر ومعه شباب ملتحية وبوجوه صفراء كوجوه الموتى تجوب فناء الدار ويمرون من أمامي بسير رتيب ممل، صرخت بهم ليرحلوا
- من دعاكم إلى هنا، هيا..لا أريد أحدا منكم
لكنهم لم يسمعوني، نهرت ولدي بقوة وأنا أضرب زجاج النافذة لعله ينتبه إليَّ، وأخيرا ألتفت ولدي وشاهد الغضب في عيني ، وأنا أصرخ به
– من أيت أتيت بهؤلاء، هيا دعهم يغربون عن وجهي أطردهم من فناء الدار
– لقد رحلوا يا أبي ولم يبق أحدا منهم
أختفت وجوههم الصفراء، فجأة شاهدت دخان أبيض بدء يملأ الغرفة ويحجب الرؤيا وظل أشباح تجلس هنا وهناك، صوت جهوري واضح فقط بدأت أسمعه
– هل تسمع جلبة هذه الأصوات في زاوية غرفتك المعتمة، حسنًا سأخبرك عنهم، لم يكن أمامي إلا أن أنصت له
- كل القصة.. اجتمعوا هنا في هذا القبو بجلسة ندم..فقد قرر أنكيدو أن يعتكف ويعتزل الناس ويعيش في صومعة بعيدة عن الأعين، لقد استسلم للقدر، ترك البحث عن الخلود، أما ذاك الذي يقرض أضافره بقوة وإرتباك فهو صلاح الدين الأيوبي يعضها ندمًا، ويأسف على الدماء التي سالت من أجل القدس وهاهو الآن يراها تباع بثمن بخس، وذاك حمورابي يأسف لما بذله من جهد لكتابة مسلته وهو يراها تندثر ويغطيها غبارحوافر الخيل وذاك نبوخذنصر وهو يرى حصنه يتهدم، هم في حيرة من أمرهم، يسألون عن جمهرة غريبة في الملبس والمظهر من الناس، يطعنون ظلهما بالخناجر..جمهرة غريبة، حفاة رعاع، وجوه كالحة، تتجول في أزقة المدن ..يا ترى من هؤلاء؟:
أجابهم قبلكم سألني الرشيد والمثنى، عليٌ وعمر، َفتَجشّمت عناء السفر، أتجول بين المدن، رأيت في كل مدينة العجب العجاب، هناك قلة قليلة منزوية صامتة وعينها دامعة وأخرى بينهما كرٌّ وفرّ، وجوه حاقدة، سألت أحدهم من القلة وكان يجلس في زاوية بعيدا عنهم: مالذي حدث وما الأمر، تنهد بحسرة وعلى وجهه علامات الآسى وأجابني :
- غزتنا زانيات كُثر كالجراد ومعهما كُل ضال ومدبر فولدنَّ لنا كل هذا العهر.
كاد قلبي أن يتوقف، سمعت صراخ وعويل من حولي، شعرت يصراخ ولدي البكر
– بابا لا تتركنا
فجأة.. شعرت بكفٍ تضرب ظهري بقوة
– لا تخذلنا يا رجل، هيا استيقظ ، لقد مُتَ وأحيناك بفضل الله
ما أن فتحت عيني حتى وجدت الأسلاك والأنابيب المطاطية تتدلى من صدري ورقبتي وبطني، وعائلتي حولي، تنفست الصعداء، سمعت صوت الطبيب يقول
– الحمد على السلامة، لقد نجوت بِاعجوبة بعد عملية فتح الصدر وزراعة شرايين القلب التي أجريناها لك، لقد كنت في غيبوبة طيلة ثلاثة أيام بعد العملية!! والآن عدت إلينا... هيا..يا رجل
قصي المحمود
12 / 5 / 2025
شكرا لكرم مروركم