مؤسسة العيون الثقافية

موقع ثقافي يعنى بالادب بكل انوعه على انه رسالة سلام ولغة توحد العالم

random

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

شكرا لكرم مروركم

الامس/ حميد العادلي

 حميد العادلي


الأمس كان الرسّام هنا


كوبُ قهوةٍ باردٌ،


شجرةٌ قزمةٌ في أصيص،


مهرّجون بألوانٍ فاقعة،


مجنزراتُ حربٍ قديمة.

حياةٌ!


وربما صورةٌ أخرى لحياةٍ مضت!

شوارعُ المدينةِ خاوية،


الجسورُ أكثرُ انحناءً،


المناجمُ، المتاحفُ، والمصانعُ تتهامسُ،


لكنَّ الناسَ...


أينَ الناس؟


ربما كان الناسُ هنا!

الجدارُ،


إطارُ اللوحةِ،


الفرشاةُ،


امرأةُ الموديلِ...


الكلُّ ينتظرُ!

الأمسَ... كان الرسّامُ هنا!


دراسة انطباعية حول نص "الأمس كان الرسّام هنا"

للشاعر حميد العادلي


يتميّز هذا النص بنَفَسٍ تأمليّ يغلب عليه الحنين والاغتراب، حيث يُقدّم مشاهدَ متفرّقة تَشي بحياة كانت موجودة ذات يوم، لكنها الآن معلّقة بين الذكرى والفراغ. يعتمد الكاتب على صورٍ متباينة تجمع بين السكون والحركة، وبين البهجة والانطفاء، ليخلق حالة شعورية تمزج بين النوستالجيا والتساؤل عن أثر الزمن.

التكوين الفني للنص

النص أشبه بلوحةٍ انطباعية مرسومة بالكلمات، حيث تتجاور العناصر دون حبكة سردية تقليدية، وإنما عبر مشاهدَ تُكوّن انطباعًا عامًا لدى القارئ. يعتمد الكاتب على الوصف المتتابع لمشاهد جامدة في ظاهرها لكنها مفعمة بالدلالات، كـ "كوب قهوة بارد" الذي يرمز إلى شيء كان ممتلئًا بالحياة لكنه فقد حرارته، و**"شجرة قزمة في أصيص"** التي توحي بالتقييد والنمو المحدود، بينما "المهرجون بألوان فاقعة" يعكسون صورة زائفة للفرح، ربما تشير إلى عبثية الحياة أو تناقضها.

في المقابل، هناك إشارات إلى الزمن وآثاره، كـ "مجنزرات حرب قديمة"، التي تُمثّل الماضي العنيف الذي لا يزال حاضرًا بآثاره، و**"شوارع المدينة خاوية"**، التي ترسم صورة عالم مهجور، لا يُعرف إن كان قد خلا بالفعل أم أن الفراغ موجود في عين الرائي فقط.

الزمن في النص

يُشكّل الزمن محورًا خفيًّا في النص، حيث يبدو الحاضر كظلٍّ باهت للماضي، ويظهر ذلك في التساؤلات المتكررة: "أين الناس؟ ربما كان الناس هنا!". هناك شعور بالغياب، بانطفاء شيء ما، وكأن الحياة لم تعد كما كانت، وربما لم تكن يومًا كما يظن الراوي.

ثمّة مفارقة لافتة بين عناصر اللوحة التي لم تكتمل: "الجدار، إطار اللوحة، الفرشاة، امرأة الموديل، الكل ينتظر!". هذا الانتظار يعزّز الإحساس بالتوقّف عند لحظةٍ ما، وكأن كل شيء معلّق في الفراغ بانتظار من يُعيد إليه الحياة—ربما الرسّام، الذي كان هنا بالأمس لكنه غاب اليوم، ليترك خلفه أثرًا غير مكتمل.

النبرة والأسلوب

النبرة في النص تتراوح بين التأمل الشاعري والحزن الصامت، ويتّسم الأسلوب بالتكثيف والاختزال، حيث تُوظَّف الجمل القصيرة والمتتابعة لتعزيز الإيقاع البصري والتشكيلي للنص. غياب الأفعال في بعض المواضع يُضفي شعورًا بالسكون، بينما تأتي الجمل الفعلية قليلة ومتأخرة، مما يعزّز الإحساس بأن كل شيء قد حدث وانتهى، ولم يبقَ سوى أثره.

الخاتمة والانطباع العام

النص لوحةٌ مفتوحة على التأويل، تطرح تساؤلات عن الزمن، عن الغياب، وعن الفن الذي يظل حاضرًا حتى بعد رحيل صانعه. يمكن قراءة النص كصورة لنهاية عصرٍ أو حكايةٍ عن مدينةٍ غادرتها الحياة، وربما كمشهدٍ داخليّ في ذهن فنانٍ تأمّل أثر غيابه قبل أن يرحل. في كل الأحوال، هو نص يثير المشاعر أكثر مما يقدّم إجابات، ويترك للقارئ حرية الغوص في دلالاته كما يغوص في لوحةٍ لم يكتمل رسمها.


البديل الثقافي

عن الكاتب

عواطف رشيد

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

مؤسسة العيون الثقافية