مِشكاة الأمل
في عتمةِ الروح
تتعبُ الخطى من الطريق ..
وتضيقُ الأرضُ بما رحبت ..
وتصبحُ الوجوهُ مرايا للخذلان
ثمّة ضوءٌ صغير يرتجفُ في أعماقنا ... نسمّيه الأمل .
ليس الأملُ نافذةً تُفتحُ على السّماء بل مشكاةٌ في جدار القلب كلّما اشتدّ الظلام
أيقظت فينا معنى الانتظار ..
كم من إنسانٍ سارَ في ليلٍ طويل ..
لا يحملُ في جيبه سوى الخيبات .
ولا في عينيه سوى غبار الرحيل
لكنّه ظلّ يمشي...
لأنّ في داخله ضوءً
لم تستطع العواصفُ أن تنتزعه .
وكم من قلبٍ تهشّم على أبواب الذين أحبّهم ثمّ نهض !!
لا لأنّ الوجعَ صار هيّناً بل لأنّه أدرك أنّ الحياة لا تمنحُ مفاتيحها لمن يستسلمُ عند أوّل بابٍ مغلق .
يا مشكاةَ الأمل ..
كم نحتاجكِ حين تتكاثرُ المقابرُ
في الذاكرة ...
وحين تصبحُ المقاعدُ الفارغة
أكثر حضوراً من أصحابها
وحين نمدُّ أيدينا
إلى الغائبين فلا نلمسُ سوى الهواء .
نحتاجكِ حين يمرضُ من نحبّ
وحين نقفُ خلف أبواب المستشفيات نراقبُ عقاربَ الساعة كأنّها أقدارٌ تمشي
على مهل ..
وحين نرفعُ دعاءنا
إلى السماء بقلوبٍ لا تملكُ سوى الرجاء .
نحتاجكِ حين يرحلُ عزيزٌ ويتركُ في البيت صوتاً لا يعود
وفي الأشياء ملامحَه وفي أرواحنا سؤالاً
لا تجيبُ عنه السنون .
لا ينطفئ الضوء كلّه فثمّة يدٌ تمتدُّ إلينا
في لحظة انكِسار وكلمةٌ صادقةٌ تُرمّمُ شيئاً من أرواحنا .. وابتسامةٌ عابرة تعيدُ إلى القلب إيمانه بالناس ..
وثمّة صباحٌ مهما تأخّر يأتي ليقول لنا ..
ليس كلُّ ما انكسر انتهى ..
وليس كلُّ ما غاب مات ..
وليس كلُّ طريقٍ أوجعنا
كان يقودنا إلى الضياع .
إنّ الأمل ليس أن ننتظرَ معجزةً تغيّر العالم من حولنا بل
أن نحتفظَ بإنسانيتنا حين يفقدُ العالمُ بعضَ إنسانيته ...
وأن نزرعَ وردةً في أرضٍ أنهكها الرماد .. وأن نمنحَ الحياة فرصةً أخرى ..
حتى لو خذلتنا ألفَ مرّة .
يا مشكاةَ الأمل
ابقَي مضيئةً في أرواحنا
فالعالمُ لا يحتاجُ إلى مزيدٍ من العتمة
بل إلى قلبٍ لا يتعلّم القسوة ...
ويدٍ لا تبخلُ بالعطاء . وروحٍ تؤمنُ أنّ خلف كلّ ليلٍ احتمالاً لفجرٍ جديد ..
فما دام في القلب متّسعٌ للدعاء
وفي العين بقيّةُ دمعة وفي الروح قدرةٌ على النهوض ...
فثمّة أمل ......
وما دام الأملُ يسكننا فلن تكونَ العتمةُ
آخر الحكاية
ولن يكونَ انطفاءُ قنديلٍ نهايةَ الضوء .
بل ربّما ... كان ذلك الانطفاء دعوةً لنا كي نصنعَ من أرواحنا مشكاةً لا تنطفئ ..
د.عباس الجبوري
شكرا لكرم مروركم