نجمةٌ في عباءةٍ سوداء
نوري بیخالي - أربیل
عَلى حَافَةِ هَذَا الصَّخَبِ أَقِفُ،
أَخلَعُ عَن قَدَمَيَّ الجِلدَ وَالزَّمَانَ،
أَنفُضُ غُبَارَ التَّارِيخِ عَن مَنكِبَيَّ،
وَأَمضي نَحوَ تِلكَ التُّخُومِ،
حَيثُ يُمحَى (الأَنَا) فَيَغدُو عَدَمَاً،
وَيُصبِحُ (العَدَمُ) كُلَّ شَيء
أولاً:
(الهِجرَةُ الوَئِيدَةُ لِلظِّلَال)
الكُتُبُ كَلِيلَةٌ مُرهَقَة،
وَحُرُوفُهَا كَنَملٍ أَسوَدَ،
مَاتَت فَوقَ بَيَاضِ الوَرَق
والفَنُّ،
ذَلِكَ القَفَصُ الذَّهَبِيُّ الَّذِي أَرَادَ سَجنَ شُعَاعِ الشَّمسِ،
هَاهُوَ الآنَ أَمَامَ جَلَالِ الصَّمتِ،
يَذُوبُ كَشَمعَةٍ بَاهِتَة
والنَّهَارُ،
ذَلِكَ التَّاجِرُ الجَشِعُ الَّذِي بَاعَ الثَّوَانِيَ بِالمَالِ،
تَلَاشَى...
انتَهَتِ الدُّرُوسُ، وَانْهَارَ المُعَلِّمُونَ فِي سَدِيمِ الشَّكّ
أَنصِتْ...
هَذِهِ مُوسِيقَى تَصَدُّعِ جُدرَانِ الوَاقِعِ،
حِينَمَا تَفرِدُ الرُّوحُ أَجنِحَتَهَا،
مِن شَوَارِعِ الفُولَاذِ وَالإِسمَنتِ،
نَحوَ حَدَائِقِ الغَيبِ الفَانتَازِيَّة
ثانياً:
(رَقصَةٌ حُرَّةٌ فِي فَضَاءِ السُّكُون)
الآنَ مِيقَاتُكَ يَا صَدِيقِي القَدِيم،
يَا عَابِراً فِي شَرَايِينِي وَرَسَّامَ أَحلَامِي،
لَا كَطَائِرٍ ذَعُورٍ،
بَل كَإِعصَارٍ يَمحُو الحُدُودَ الجُغرَافِيَّةَ...
اِفتَحْ جَنَاحَيكَ عَلَى مَدَاهُمَا
اِبتَعِدْ...
أَبعَدَ مِن فَلْسَفَةِ المَكَاتِبِ البَارِدَة،
أَبعَدَ مِن رَنِينِ الهَوَاتِفِ وَبَيَانَاتِ الشَّاشَاتِ،
أَنتَ فِي هَذِهِ اللَّحظَةِ،
لَستَ شَاعِراً وَلَا عَامِلاً،
لَستَ مَلِكاً وَلَا عَبداً،
أَنتَ مَحضُ طَاقَةٍ مَكثُوفَةٍ،
تَعُودُ إِلَى بَيتِهَا فِي شَرَايِينِ الكَونِ
ثالثاً:
مُرَبَّعُ الأَبَدِيَّة (اللَّيل / النَّوم / المَوت / النُّجُوم)
اِستَسلِمْ لِلذُّهُولِ...
بِلَا هَمسٍ، بِلَا وَزنٍ أَو قَافِيَةٍ قَدِيمَةٍ،
تَأَمَّلْ...
كَيفَ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ شُغِفتَ بِهِم عِشقاً،
أَن يَجتَمِعُوا فِي فِنَاءِ دَارِكَ:
اللَّيلُ:
(عَبَاءةٌ سَودَاءُ فَضفَاضَةٌ، تَحجُبُ عُزلَتَنَا عَن عَالَمِ المَادَّة.)
النَّومُ:
(جِسرٌ مَشحُونٌ بِالسِّحرِ، يَعبرُ بِالوَاقِعِ إِلَى مَملَكَةِ الخَيَالِ الأُولَى.)
المَوتُ:
(سَاحِرٌ رَؤُوفٌ، يُمَزِّقُ ثَوبَ الزَّمَانِ؛ لِنَعُودَ عُرَاةً وَأَصِيلِين.)
النُّجُومُ:
(عُيُونُ الكَونِ، تَبْتَسِمُ فِي وُجُوهِنَا عِندَ امتِحَانِ الظُّلمَة.)
هَذِهِ الأَربَعَةُ،
هِيَ جِهَاتُ بَوصَلَتِي الأَربَع،
تُوقِفُ عَقَارِبَ العَصرِ،
وَتُحَوِّلُ الإِنسَانَ مِن آلَةٍ مُنهَكَةٍ،
إِلَى أُنشُودَةٍ بَرِّيَّةٍ،
تَذُرُّهَا الرِّيَاحُ، فَتُدَوِّي فَوقَ قِمَمِ الأَقدَار
أَنَا رَاحِلٌ...
لَا لِأَضِيعَ،
بَل لِأُولَدَ مِن جَدِيدٍ،
فِي سُكُونِ اللَّيلِ... كَنَجمَةٍ تَمَرَّدَت
شكرا لكرم مروركم