الوطن؛ ذلك الجدولُ الذي لم تُسقِهِ أيُّ أنهارٍ
في شارعٍ بلا اسم،
وتحت ضوءٍ أصفرَ خافتٍ، مُثقَلٍ باليأس،
كان الوطنُ كريشةٍ منسيّة،
انقلبت فوق كفِّ الزمن
وتتهاوى
في زمنٍ بلا عنوان،
في مكانٍ
فقدَ معنى المكان،
كان الوطن،
هناك… آنذاك،
لا كأرضٍ،
بل كسؤالٍ دائمٍ
يخفقُ في قلب الوجود
فيولد
نحنُ،
الذين كان ينبغي أن نحلم،
الذين كان ينبغي أن نحفظ الذاكرة،
حوّلنا أحلامنا
—كأثاثٍ قديمٍ مطويّ—
إلى ذاكرةٍ في مخازن مغلقةٍ منسيّة،
وجعلنا ذاكرتنا
غبارًا وهشيمًا
الشباب،
من نوافذ أنفاسهم،
يتطلّعون إلى أمواجٍ بعيدة،
لن تبلغ الشاطئ أبدًا،
وفي هذا الدوّار،
يُقتَلون كلَّ يوم؛
فالقتلُ ليس حدثًا جسديًا فحسب،
بل هو أحيانًا
تيهٌ قاتل،
وشكلٌ موجعٌ من الضياع
الوطنُ هو ذلك النَّفَس
الذي كان ينبغي أن ينسابَ هادئًا إلى صدورنا،
لكنه
في حناجر أهله،
تكاثفَ كغبارٍ
وصار كُتلاً
الوطنُ هو تلك الفجوة،
بين ما هو كائن
وما ينبغي أن يكون،
فجوةٌ مفتوحةٌ أبدًا
في تلك الفجوة،
لا تبلغ العدالةُ مداها،
ولا قانونٌ ينجو من الانتهاك
في تلك الفجوة،
اعتادت العيونُ الظلام،
وتدرّبت الأيدي
على الفراغ
في تلك الفجوة،
بقي الخبزُ حكايةً قديمةً على الألسنة،
وغاب عن الموائد
أقلّيّةٌ
تلمع كنجمةٍ مصطنعةٍ
في سماءٍ معتمة،
وأكثريّةٌ
كغبارٍ تحمله الرياح،
بلا اسمٍ ولا لون،
تتبعثر في أنفاس الكون
حين تمسكُ الأقلّيّةُ بالأشياء،
تبدّل معانيها:
يُصبح الخبزُ قوّة،
والقوّةُ قانونًا،
ويغدو القانونُ أداةً
لإبعاد الإنسان عن ذاته
الاحتلالُ
ليس استيلاءً على المكان،
بل أسرٌ للزمن،
زمنٌ فيه
يُقتَل المستقبل
قبل أن يصل
المحتلُّ
لا يأتي بالنار وحدها،
بل بعقلٍ بارد،
يورّث الندوبَ والسواد
وأولئك الذين جاؤوا باسم الثورة
ومن أجل الخلاص،
فجعلوا الإنسانَ أداةً،
لم يكونوا سوى تكرارٍ آخر للمحتل،
ونسوا في النهاية
أن الإنسان يحتاج إلى حياة،
لا إلى شعارات
يموت الوطن
حين تُفرَّغ الكلماتُ من معانيها،
حين تصبح الحريةُ صوتًا لا يُسمع،
والعملُ حلمًا مؤجّلًا،
والخبزُ ذكرى بعيدة
عندها،
تصير اللغةُ نفسها ساحةَ حربٍ خفيّة،
وتغدو الكلمةُ متراسًا تحت القصف،
وتكون الجملةُ
أشدَّ مواضع الوجود جرحًا
بين «ما لم يكن ينبغي»
و«ما قد حدث»،
حياةٌ
لا قدرة لها على الرجوع،
ولا يقين لها بالمضيّ
نحنُ هناك،
في موضعٍ
تصل فيه الحقيقةُ دائمًا متأخّرة،
ويموت الأملُ مبكّرًا،
نعيش مع ذواتنا
كظلٍّ محرومٍ من الضوء
وفي الختام،
ليس الوطنُ شيئًا
سوى تلك المحاولة التي يبذلها الإنسان
كي لا يكون وحيدًا؛
فإن ضاعت تلك المحاولة،
غدا الوطنُ أرضًا
لا مكان فيها
يشعر فيه الإنسان أنه له،
يمرّ بها
ثم لا يبقى شيء،
إلا صوتٌ خفيّ
يصرخ من بعيد:
كان الوطنُ أمنيةً
لم تتحقّق،
وحلمَ أطفالنا
الذي لم يُرَ
يا للأسف،
كجدولٍ
لم تسقه أيُّ أنهار،
ولم يبلغ بحرًا قط،
جفَّ
في كفِّ التاريخ،
وفي فم الشعارات،
وفي وديان الكذب…
الوطن.
شكرا لكرم مروركم