اعذرني يا طاغور العظيم!
نوري بيخالي
شاعر وكاتب - أربيل
أنتَ مُحقّ حين تقول: “ما زالت الشمس تشرق”،
لكن تلك الشمس الذهبية، منذ لحظة بزوغها حتى المساء، تعبرُ في دمِ الإنسانية.. من اصفرارها الأول حتى أفولها، تُسوّدُ الحروبُ وجهَها، حتى تفقدَ لونَها الذهبي!
وأحسنتَ إذ قلتَ: “لا تزال نجوم الليل تُضيء بعفافه”، لكن يا سيدي، الليلُ صارَ كثيفَ العتمة، حتى القمرُ في تمامه لا يعيده مضيئًا.
أيُّ ضوءٍ للنجوم يستطيع أن يشقَّ ضبابَ اليأس الثقيل؟
وأيُّ نجمٍ يقدر أن يُنير قلبَ الكراهية المظلم؟
وأيُّ وميضٍ يقوى على اختراق تلك الغيوم السوداء المثقلة بالقتل؟
يا طاغور الإنسان، لا أشكُّ في صدقك حين تقول: “لا وجود للديار، بل هناك طريق”، لكن لا تشكّ أنتَ أيضًا:
أن الطرقَ لم تعد تُفضي إلى عمران.. لم تعد توصلُ إلى أيِّ مكان.. حتى لم تعد تعودُ بنا إلى أطلال منازلنا، ولا إلى صرخاتِ ديارنا الخرِبة!
يا سيدي، لعلَّه كان يقينُ زمنك أن “ميلادَ كل طفلٍ علامةٌ على أن الله لم ييأس من الإنسان”، لكن صدّقني، اليومَ صار ميلادُ كل طفل:
إشارةً إلى سنِّ سيفٍ جديدٍ للفتوى…
ورمزًا لاختراعِ سلاحٍ آخرَ قاتل، ورصاصةٍ أخرى للقتل…
وعلامةً على اندلاعِ إعصارٍ جديدٍ من التطرّف، وعلى ثورانِ بركانٍ آخرَ من الحروب والدمار!
يا طاغور العزيز، اعذرني…
لم تعد الشمسُ تشرق كما كانت، ولا النجومُ تتساقط بالبهاء نفسه في عيوننا، ولا الطرقُ موضعَ ثقةٍ وطمأنينة، ولا صار ميلادُ طفلٍ جديرًا بتوزيع الحلوى والبِشرى…
لقد صار، في ظلِّ ضيقِ الرأسمال، وقسوةِ السياسة، وعمى الأيديولوجيا، وتطرّفِ الدين، وتعصّبِ الطائفة والمذهب:
كلُّ ميلادٍ جديد، إشارةً إلى قتلٍ جديد… أكثر حداثة!
يا طاغور العزيز، سامحني…
ربما لم يعد الله، يرى في هذا العالم ما يستحقُّ أن يُعلّق عليه أملَه في الإنسان.
شكرا لكرم مروركم