"لن نركعَ إلا لله!"
في قلبِ الظلامِ الذي خيّم على زمنٍ زاغَ فيه الحقّ واستشرى الفساد، لمعَ نورٌ لا يخبو، وقامتْ ثورةٌ عارمةٌ أضاءتْ دروبَ المظلومين. إنها زينبُ الكبرى، ابنةُ عليٍّ وفاطمة، التي لم تكن مجرّدَ امرأة، بل كانت أمةً كاملةً تجسّدت فيها كلُّ معاني الشجاعةِ والإباءِ.
بعد فاجعةِ كربلاء، حيثُ تجرّأتْ قوى الظلمِ على قتلِ ريحانةِ رسولِ الله، الإمامِ الحسين، لم تكتفِ السيدةُ زينب بالصبرِ على المصيبة، بل حوّلت الدمعةَ إلى سلاحٍ، والألمَ إلى شرارةٍ أشعلتْ بها ثورةً لم يشهدْ التاريخُ لها مثيلاً. لقد وقفتْ شامخةً أمامَ جبروتِ الطغاةِ، وصدحتْ بصوتِ الحقِّ الذي اخترقَ جدرانَ القصورِ الظالمةِ، وكشفتْ زيفَ ادعاءاتهم وفسادَ نفوسهم. كانت كلماتها كالسيوفِ التي قطّعتْ أوصالَ الباطل، وفضحتْ يزيدَ الطاغيةَ على الملأ، فحطّمتْ عرشَ غطرسته، وأذلّتْ كبرياءه.
لقد كانت زينبُ عليها السلامُ رمزًا للعفّةِ والصمودِ، مدرسةً في الصبرِ، ونبراسًا للحقِّ الذي لا يخشى الباطل. لم ترضَ بالذلّ، ولم تقبلْ بالتطبيعِ مع الفساد، بل رفعتْ رايةَ الإصلاحِ عالياً، وواصلتْ مسيرةَ أخيها الإمامِ الحسينِ بكلِّ عزمٍ لا يلين. غيّرتْ مجرى التاريخِ بكلمتها الواحدة، وأقامتْ مجالسَ العزاءِ التي أصبحتْ مناراتٍ فكريةً تحيي الثورةَ في النفوسِ. إنها زينبُ العقيلةُ، التي علّمتْ الرجالَ والنساءَ كيف يواجهونَ الحكوماتِ الظالمةَ والفاسدةَ، وكيف يكونُ صدى صوتِ الحقِّ أقوى من كلِّ سلاح. فليسَ عجيبًا أن تكونَ هذه العظيمةُ هي بنتُ النبوّةِ والإمامةِ، ومنها انطلقتْ صرخاتُ: "لن نركعَ إلا لله!"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
أقَصِيدَةٌ أَمْ قِصَّة؟
أَقَصِيدَةٌ أَمْ قِصَّةٌ هَذِي أَمْ غُصَّة؟
أَغُصَّةٌ هِيَ أَمْ مُصِيبَة؟
أَمُصِيبَةٌ أَمْ دَمْعَةٌ تَسْكُبُ؟
أَدَمْعَةٌ هِيَ أَمْ كَلِمَةٌ تُرْهِبُ؟
أَكَلِمَةٌ أَمْ ثَوْرَةٌ تَلْهَبُ؟
هَلْ كَانَتِ امْرَأَةً وَاحِدَةً فَقَطْ؟
أَمْ أُمَّةً بِكَامِلِهَا قَدْ نَهَضَتْ؟
نَعَمْ، هِيَ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ،
لَكِنَّهَا حَطَّمَتْ قَيْدَ الْخَوْفِ الْمُتَرَاكِمِ،
وَهَزَمَتْ جُيُوشَ الظَّلامِ الْقَاتِمِ،
وَصَاحَتْ بِوَجْهِ الظَّالِمِ:
"لَنْ نَرْكَعَ إِلَّا لِلَّهِ!"
تَمَكَّنَتْ مِنْ قَلْبِ الْمُعَادَلَةِ،
مِنْ مَعْرَكَةٍ لِلدِّفَاعِ قَامَتْ،
إِلَى مَعْرَكَةٍ لِلْهُجُومِ جَاءَتْ،
وَابْتَكَرَتْ فَنَّ حَرْبِ الْكَلامِ.
كَيْفَ لا وَهِيَ بِنْتُ أَمِيرِ الْكَلامِ؟
تُحَاصِرُ قَصْرَ الطَّاغِيَةِ بِعِزَّةٍ،
ضَيَّقَتِ الْخِنَاقَ عَلَيْهِ بِقُوَّةٍ.
جَعَلَتْهُ فِي زَاوِيَةٍ مَا بَيْنَ ضِيقٍ وَحَرَجٍ.
قَيَّدَتْ لِسَانَ الطَّاغِيَةِ بِحُجَجٍ،
ثُمَّ بَادَرَتْ بِحَرْبِ الْكَلامِ مُنْطَلِقَةً،
بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ، كَالسِّهَامِ الرَّاشِقَةِ.
فَهِيَ عَالِمَةٌ لَمْ تُعَلَّمْ مِنْ بَشَرٍ،
تَعْرِفُ كَيْفَ تَجْعَلُ الدَّمْعَةَ
ثَوْرَةً عَارِمَةً تُفَجِّرُ الْبَرَاكِينَ...
فَضَحَتْ يَزِيدَ الطَّاغِيَةَ عَلَى الْمَلَأِ،
كَسَرَتْ شَوْكَتَهُ، حَطَّمَتِ الْغَطْرَسَةَ،
أَذَلَّتْ جَبَرُوتَهُ، نَزَعَتْ مِنْهُ الْقُوَّةَ،
حَطَّمَتْ عَرْشَهُ، أَسْقَطَتْ كُلَّ عِزَّةٍ،
أَعْلَنَتِ الثَّوْرَةَ مِنْ مَعْقَلِ الظُّلْمِ،
مِنْ قَصْرِ الطَّاغِيَةِ نَفْسِهِ،
عَلَى الطَّاغِيَةِ وَمَنْ مَعَهُ،
قَيَّدَتْهُ بِحِكْمَتِهَا وَصَوْتِهَا،
سَيْطَرَتْ عَلَى قَصْرِهِ بِلَا سُيُوفٍ،
هَدَمَتْ قَصْرَهُ بِكَلِمَةِ الْحَقِّ،
عَلَى رَأْسِ الطُّغْمَةِ الْحَاكِمَةِ الْفَاسِدَةِ،
نَسَفَتِ الْعَقِيدَةَ الْفَاسِدَةَ بِقَوْلِهَا الْبَيِّنِ،
حَافَظَتْ عَلَى الإِمَامَةِ مِنْ كُلِّ لَبْسٍ،
رَفَعَتْ رَايَةَ الْوِلايَةِ بَعْدَ الْكَسْرِ،
قَامَتْ بِتَصْدِيرِ الثَّوْرَةِ لِأَهْلِ الْعَالَمِ أَجْمَعَ.
مَنْ قَالَ إِنَّهَا كَانَتِ امْرَأَةً وَاحِدَةً؟
بَلْ كَانَتْ أُمَّةً بِأَكْمَلِهَا قَدْ تَجَسَّدَتْ،
كَانَتْ أُمَّةً فَاعِلَةً بِكُلِّ مَا مَلَكَتْ،
كَانَتْ أُمَّةً عَامِلَةً بِصِدْقٍ وَعَمَلٍ،
كَانَتْ أُمَّةً مُقَاوِمَةً لا تَرْضَى بِالذُّلِّ،
كَانَتْ أُمَّةً مُجَاهِدَةً لِأَجْلِ الْحَقِّ.
أَكْمَلَتِ الْمَسِيرَةَ بِعَزْمٍ لا يَنْثَنِي،
كَشَفَتِ الْحَقِيقَةَ دُونَ خَوْفٍ أَوْ وَهَنٍ،
وَأَعْلَنَتْ عَنْ مَشْرُوعِ الإِمَامَةِ الْخَالِدِ،
غَيَّرَتْ مَسَارَ التَّارِيخِ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ،
أَقَامَتْ مَجَالِسَ الْعَزَاءِ تُحْيِي الْفِكْرَ،
تَدْعُو بِهَا الشِّيعَةَ الأَوْفِيَاءَ لِلتَّذَكُّرِ،
بِالْبُكَاءِ عَلَى سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ الْعَظِيمِ،
وَالثَّوْرَةِ عَلَى يَزِيدَ الطَّاغِي الْمَلُومِ...
مَنْ قَالَ كَانَتْ ذَلِيلَةً؟ حَاشَا وَكَلَّا!
كَلَّا وَأَلْفُ لا! هِيَ الْعَزِيزَةُ الْبَاسِلَةُ،
حَكِيمَةٌ، قَوِيَّةٌ، عَفِيفَةٌ، صَامِدَةٌ،
كَانَتْ لِلصَّبْرِ مَدْرَسَةً تُعَلِّمُ النَّاسَ،
وَلِلْعَفَافِ قُدْوَةً تَسْمُو بِهَا الأَنْفَاسُ،
وَلِقَوْلِ الْحَقِّ نَاطِقَةً لا تَخْشَى الْبَاطِلَ،
وَلِلتَّطْبِيعِ رَافِضَةً بِصَوْتٍ عَادِلٍ،
وَلِلدَّمِ الشَّهِيدِ مُطَالِبَةً بِالثَّأْرِ الْحَقِّ،
وَلِآلِ أَبِي سُفْيَانَ مُحَقِّرَةً شَأْنَهُمْ بِالصِّدْقِ،
وَلِرَايَةِ الإِصْلاحِ رَافِعَةً لِتَعْلُوَ،
وَلِوَصِيَّةِ أَخِيهَا مُطَبِّقَةً بِعَزْمٍ لا يَمَلُّ،
وَلِدِينِ اللَّهِ نَاصِرَةً بِكُلِّ قُوَّةٍ،
لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مُعَلِّمَةً بِكُلِّ عَزِيمَةٍ،
كَيْفَ يُوَاجِهُونَ الْحُكُومَاتِ الْفَاسِدَةَ وَالظَّالِمَةَ.
كَيْفَ لا وَهِيَ بِنْتُ مُحَمَّدٍ الْمُصْطَفَى؟
كَيْفَ لا وَهِيَ بِنْتُ عَلِيٍّ الْمُرْتَضَى؟
كَيْفَ لا وَهِيَ بِنْتُ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ؟
كَيْفَ لا وَهِيَ زَيْنَبُ الْعَقِيلَةُ فِي الْكِبْرِيَاءِ؟
نَعَمْ، كَانَتِ امْرَأَةً وَاحِدَةً بِمُفْرَدِهَا،
لَكِنَّهَا كَانَتْ تَمْلِكُ كَلِمَةً عَظِيمَةً،
صَدَى صَوْتِهَا يَرْفَعُ رَايَاتِ الصُّعُوبِ:
"لَنْ نَرْكَعَ إِلَّا لِلَّهِ..."
ــــــــــــــــــ
العراق/ البصرة
مهند آل لطيف
شكرا لكرم مروركم