طبيعة التنوع في تكوين الصورة الشعرية لدى عواطف رشيد
يعتمد النص على تشظي الصورة الشعرية وتحريرها من النموذج الواحد، فنحن لسنا إزاء نمط تصويري مهيمن، بل أمام تنقّل مقصود بين صيغ تصويرية متباينة في أصل اشتغالها: صورة حسيّة تعتمد الإيحاء العضوي ("أنسلّ من ضلوعي")، وأخرى رمزية تستثمر طاقة التجريد ("قطنة ضوء تهيم في فم الغيب")، وصورة زمانية تتسلّل من الجملة عبر مفردة مثل "الحنين" الذي يتحول من شعور إلى كائن يتلفّظ. هذا التنوع يعكس ارتباكًا وجوديًا واعيًا، حيث لا يستقر الشعور في صيغة واحدة إنما يتبدّل بتبدّل موقع الذات من ذاتها.
الصورة أساسا تُصاغ لتُنتج انزياحًا في معنى الحضور. فحين يقول "أُعلّق وجعي على جفن المسافة"، لا يوسّع المجاز قدر ما يفكّك المفهوم التقليدي للوجع والمسافة معًا؛ إذ تكون المسافة نسيجًا شعوريًا يتلبّسه الألم، ويصبح الوجع مادة قابلة للتعليق، للعرض، للانتظار. والمثير أن الفعل هنا – أُعلّق – يرتبط بشيء مادي، بينما المحمول عليه "جفن المسافة" هو استعارة شديدة التجريد، مما يُنتج توتّرًا بنيويًا في الصورة، ويُضاعف أثرها بخلخلة اللغة
من جهة أخرى، لا تعمل الصور على إيضاح تجربة شعورية بل على إعادة صياغتها كوجود ينكشف تحت ضغط اللغة. الظل المنسي هو استعارة عن انمحاء الوعي بالذات داخل زخم لا مرئي من الإدراك. الريح التي "تصلّي" محاولة لإحلال الحضور محل الفقد، وتحويل الانقطاع إلى طقس تعبّدي. في كل ذلك، لا تُنتَج الصورة من قلق لغوي، بل من قلق معرفي يرفض الاطمئنان إلى شكل تعبيري واحد.
تنوّع الصورة يتجاوز الأسلوب، الى منطق التكوين: مرة تنبثق من علاقة حسّية بين الجسد واللغة، ومرة من تواطؤ غيبيّ بين النور والغياب، ومرة من صراع زمنيّ يتجسّد عبر الانتظار المقلوب، حيث لا ينتظر الشاعر شيئًا، الأشياء هي من تنطق به وهذا بالضبط ما يجعل الصورة لا تشرح الشعور بل تحفره.
كل التحيات
شكرا لكرم مروركم