دموع يتيمة
بقلم الشاعرة القراغولية (زودة خليف أيوب) .العراق
جلست تستريح بعد جهد وتعب، فهي لا تنال هذه الراحة إلا بعد خروج زوجة أبيها من المنزل ،فقد كانت تأمرها بتنظيف البيت وإن كان نظيفا وكأنها تستخلص منها ذلك الثأر القديم . هي الزوجة الأولى لأبيها, وعندما يأس من أنها لن تنجب له أبناء تزوج من أمها وبعد فترة قليلة, أصبحت حاملا فرحا كثيرا , وحمد ربه وبقى ينتظر اللحظةالتي يرى فيها أمله وفرحته المنتظرة بعد أكثر من خمسة عشر عاما . وفي ذلك الصباح رأى زوجته شاحبة الوجه واستبد بها الألم , فأسرع بها لأقرب مشفى ، فأدخلوها صالة العمليات بينما زوجها بقى في الخارج ، كان الوقت يمر بطيئا ولا يعرف سببا لهذه المخاوف ، مرت ساعة وأخرى, وهو ينتظر فوضعت الطبيبة ختاما لأنتظاره، لكنه ختام قاسٍ,مر المذاق عندما نطقت بقولتها :
أستطعنا أن ننقذ الطفلة لكن توفيت الأم للأسف!، أخرجوا الطفلة لأبيها بذلك الوجه المحمر والعينين الباكيتين نظر لها بدمعة جارية, وقال :
على من تبكين يبنتي ؟
على أمك أم على عمرٍ ستعيشينه يتيمة؟
سألته الممرضة, ماذا تسميها نشج بالم وحسرة,مطبقا كفيه, ثم تأوه قائلا:( دموع )
عاشت دموع مع أبيها أعواما قليلة, لم يحسسها باليتم, لكنه تركها يتيمة الأبوين بحادث مؤسف; ما جعل زوجة أبيها تقوم بتربيتها وحين كبرت راحت تتعامل معها معها بقسوة, وكأنها تعاقب القدر الذي حرمها من الإنجاب .
وحين تكون دموع وحدها, تخرج دفترها الصغير الذي كان ملاذها ومؤنسها فلا تستغني عنه.
سألت نفسها ذات مرة:
في كل مرة أكتب عن أمي أو عن أبي , لكن هذه المرة سأكتب عن خيالي, وراح قلمها يسطر :
إليك أيها الخيال أكتب ، كنت اسما أسمع عنه ، تصورتك شخصا سيأتي ذات يوم ; ليسرقني حتى من نفسي، يذهب بي بعيدا كأمير سندريلا التي أقول أنها أختي; لذلك أشاهد فلمها بأستمرار .
لكن أجدك سرابا مهما حاولت الاقتراب منه ابتعد عني,
أقترب مني, استحوذ على مخيلتي عساي معك أنسى من أنا , ومن اكون .
حدثني عن نفسك, وأدفن حزني بين ضبابك .
أرفعني من هذا الكون كله, فقد مللته.
دعني أحلق فوق جناحيك; لأزرع شتلات صبري فوق الغيوم أعتصر من لحظاتِها شهدا; ليكون كثوبٍ أبيض, أرتديه فوق حلة عمري السوداء .
خذني أيها الخيال إلى البساتين...، إلى حدائق الزهور ،إلى تلك الغيمة التي أراها في أحلامي, وأنا أرقص تحت مطرها.
ولكن لا أريد بهذه المرة إن أصحو على صوت زوجة أبي .
وفي أخر كلمة كتبتها رفعت رأسها على صوت زوجة أبيها وهي تصيح: دموع أين أنتِ ....

شكرا لكرم مروركم