مؤسسة العيون الثقافية

موقع ثقافي يعنى بالادب بكل انوعه على انه رسالة سلام ولغة توحد العالم

random

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

شكرا لكرم مروركم

 قصة قصيرة

الأعمدة الخشبية 


أنا لست أول قوي  .. أو جبان .. يختار النعش الضيق .. والكفن الأوسع .. المطرز بأضواء الألوان الكالحة .. ولم أكن يومٱ .. أحب طعم الزبد .. المتراكم فوق الأفواه الضاحكة .. إلا أنني قررت أن أبدأ في هذا العالم الغريب .. الذي يكللني كل يوم بسراب جديد  .. وبشمس محرقة .. تخترق أحشائي .. مخلفة وراءها الرماد ..

شيء ما .. في داخلي .. يشدني إلى تلك الحانه التي تلعب فيها كؤوس الخمر .. لعبة النسيان مع الموظف .. والسارق .. وبائع الخبز .. وا .. وا .. البقية .. كانت بدايتي مع أول زجاجة خمر فاشلة .. بيد أني نجحت فيما بعد .. وبدت لاأستطيع أن أفارقها يومٱ واحدٱ .. بل حتى ساعات معدودة .. أحس بها للوهلة الأولى وهي تسير كالكلمة الحلوة داخل عروقي المنتشرة في أنحاء جسدي النحيل ..   أعترف بأني أحببتها لكونها البديل الوحيد لي..  لكل الأشياء القاسية .. والتافهه أحيانٱ .. ضحيت من أجلها الكثير .. الكثير  ..

وا .. ومنحتني مقابل ذلك النسيان .. هذا النسيان الذي أمحا كل إنتماء لي في هذه الحياة  ..


في المدة الأخيرة .. بدت علي محاولات الابتعاد .. وذلك بسبب طردي من العمل والفقر الشديد الذي لازمني بعده .. أشعر بالاختناق وأنا أسطر هذه الكلمات السخبفة..  مع أن الطقس بارد .. بارد جدٱ .. وكما سمعت البارحه من المذياع المعلق في زاوية الحانه المعتمه .. أن درجة الحراره  اليوم..  هي ثلاثة تحت الصفر .. وأنهم يتوقعون سقوط الثلوج في المناطق الشمالية ..

أطفالي .. سامر .. وائل .. عائده .. عماد .. والخامسة لا أذكر اسمها ..

مازالوا صغارٱ .. لايفهمون معنى الاختناق ..ببكون قليلٱ .. ألمٱ من شدة الجوع  .. وتارة أخرى.. يتمسحون على أرض الغرفة .. ممتطين بعضهم فوق بعض..  زوجتي .. ذهبت باكرٱ لزيارة شقيقتها بأمل الحصول على ثوب بال .. مع أن " كريم " زوج أختها قد طردها أكثر من مرة .. وأذكر بأنه صفعها يومٱ .. لكنها لم تقل لي .. علمت ذلك من أحد أطفالي .. شربت آنذاك بكثرة .. وانتابني حزن عميق .. تمتد جذوره حتى الجانب الأخر من الأرض ..  

زوجتي ..مسكينه .. بائسه .. لاتجيد سوى إنجاب الأطفال .. والشكوى في الليالي الموحشه ..كانت تحلم بأن تحيا معي حياة أفضل .. مفعمه بالأزهار الجميلة  .. أثار ذلك في نفسي الحقد تجاه .. كريم..  تمنيت لو تطال يدي حنجرته الغضه .. لأغرس فيها أظافري الطويلة االقذرة .. ثم أغوص ببطء .. حتى أصل إلى قلبه العفن .. وأخرجه عن صدره كالحشرة الميته وسط الطين .. لكني فكرت بعدها بعدد الصفعات التي نلتها طيلة الأربعين سنه .. فكان مجموعها يكفي لأن أعيش أربعة قرون على هذه الحياة دون إضافة .. أي صفعة ..

الشيء الوحيدة الذي ورثته عن والدي .. هو هذا المنزل البسيط المنعزل عن وسط المدينة .. والمؤلف من غرفتين وحمام بدون صنبور مياه .. وحفرة فنية لم تنظف منذ أن توفي ..

الإختناق عاد من جديد  .. وزجاجة الخمر تتراقص أمامي كعاهرة بثوب أحمر .. تتغلغل في دمي  ..لست أدري ما أفعل .. وكل الذي أعرفه .. هو أنني لاأجرؤ أن أخطو خطوة واحدة دون نقود .. فتشت جيوب القميص والبنطال .. فلم أعثر إلا على منديل قذر يابس .. تمشيت قليلٱ في باحة الدار الترابية .. فراودتني فكرة جنونية ..


 ..تمشيت قليلا في باحة الدار الترابية .. فراودتني فكرة جنونية .. ومن دون أي تردد .. دخلت الغرفة الثانية ، ونظرت إلى السقف .. فكانت الأعمدة الخشبية هي الطريقة الوحيدة لقتل هذا الاختناق ، نزعتها واحدة تلوى الأخرى حتى نصف السقف ..دون أن أبالي بالخطر الذي سيحدث جراء ذلك ..ناديت بعدها .. السيد .. برغش .. السمسار المقيم في الحي المجاور ،لم يجد السيد .. برغش .. أي صعوبة في إقناعي بالسعر الزهيد الذي عرضه علي .. فقط أخذت النقود ، دون أن أنتظر دقيقة واحدة ، ليخرج الأخشاب ، وغادرت المنزل  مسرعا، أركض خلف عاهرتي الحمراء .. للوهلة الأولى دفعني .. سليم الأكتع .. صاحب الخمارة خارجٱ ، فما كدت أن أبرز له نقودي .. حتى هلل لي .. واعتذر مني بحجة غير مقنعة ، لم أعره أي اهتمام آنذاك.. فقط شربت الخمرة .. بشوق ولهفه ..


     في تلك الليلة ، تخيلت أشياء غريبة ، هي أشبه ماتكون بالحلم ، كانت تومض في رأسي ، وتتراقص أمام ناظري من حين لآخر .. تهيأ لي يومها بأنني أملك غابات كثيفة من الأخشاب .. وقصور ذات أبراج عالية .. وحمامات بصنابير مياه مختلفة الأشكال والألوان .. ثم بدا لي أطفالي الخمسة رجالا .. يمتطون خيولهم البيض .. وزوجتي جالسة على أرجوحة مستطيلة .. بثوب أخضر ذو ذيل طويل .. والسيد ..كريم .. زوج أختها .. راكعا تحت قدميها .. يتوسل طالبا المغفرة ..   


أحسست بضربات ناعمة .. تتساقط فوق رأسي ، وبدم فاتر ينساب على وجهى ، مغيرا الألوان أمام عيني .. مسحت جبيني بكم القميص الممزق ، وحاولت أحدق أكثر .. فأكثر .. في تلك المرأة وبحذائها المطلي بدمي .. فبدت لي أنها تشبه إلى حد ما زوجتي ... أحد الأصدقاء المخمورين .. نزع رباط عنقه وضمد رأسي .. على ما أذكر لم أعد في ذلك المساء إلى البيت .. 

هذا الصباح .. أيقظني عامل التنظيفات بمكنسته الخشنه .. فوجدت نفسي مرميا على حافة رصيف مهجور .. وقد تناثرت من حولي ، أشيائي البالية .. حاولت النهوض .. ونجحت إلى حد ما في الوقوف .. إلا أنني سرعان ماسقطت بعد الخطوة الثانية .. أو الثالثة على أثر ألم غريب .. ودوار .. دوار في رأسي . 

…… 

علي هواري  ..

عن الكاتب

عواطف رشيد

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

مؤسسة العيون الثقافية