مؤسسة العيون الثقافية

موقع ثقافي يعنى بالادب بكل انوعه على انه رسالة سلام ولغة توحد العالم

random

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

شكرا لكرم مروركم

الشاعر # سرور ياور رمضان # ...
في الرؤيا الشعرية وصياغة المفردة 

إن أكثر المهتمين بالأدب والشعر  يستجلي علاقة الرؤية بالشعر، فهي علاقة وثيقة، بل يمكن الجزم بأن الشعر رؤية، تنبع من رؤية الشاعر للواقع المحسوس التي تنعكس على الرؤيا الخاصة به، فالرؤية نظرة حسية لما هو موجود، والرؤيا متجاوزة لما هو موجود إلى الخفي مُكتشف العلائق لبناء عالم جديد ..   فمن المحسوس يتكون الحس النفسي والفكري، والتصورات الفكرية والنفسية تنعكس على الرؤية الحسية، فالعلاقة بينهما ارتباطية وانعكاسية على الكون، والطبيعة، والحياة، والقصيدة، والإنسان، وعلى لغة الشعر باجناسه وإيقاعه وصوره ورموزه وتراكيبه.. وفق هذه المفاهيم والاتجاهات يعبر الأديب والكاتب والشاعر"سرور ياور ؤمضان" عن رؤياه الأدبية ومن خزين تجربته الشعرية الإبداعية، في جواهر ما يكتب في حقل الشعر، فيزودنا بالقمح المقدس من حروفه ، لأن لرؤية الشاعر لا تنحصر في البعد السياسي أو الاجتماعي أو الفلسفي، أو الدلالة الفكرية، فهي تكون أقرب إلى التنظير منها إلى الرؤية الشعرية، بكل ما تعنيه من شفافية وصدق وشاعرية وجماليات، لأن الشاعر " سرور ياور " ينحت خصائص من جماع التجربة الإنسانية التي يعيشها في عالمنا المعاصر ، والرؤيا بذلك تكون مرادفة للبصيرة الشعرية، أما الرؤية فهي تترادف مع البصر ... فالبصيرة أمر قلبي وتعني  فطنة القلب، التي هي ناتجة عن التبصر، من خلال  التأمل والتعرف والتفهم والمعرفية، والتي تؤدي في النهاية إلى العلم والفهم المعمق ...وتلتقي مع الرؤية البصرية ، في أن العين مفتاح الشاعر للنظر إلى الموجودات، وتأملها حسيا، ومن ثم يختزنها في أعماقه، ويصهرها في ذاته، لتتجلى أخيلة في شعره الجميل المعروف بقوة المفردة والإيحاء العاطفي والوجداني 
،من ذلك يختلف الشاعر عن المنظّر والمفكر والفيلسوف والباحث، فالشاعر "سرور ياور رمضان" يكوّن رؤاه من خلال معايشته الفكرية والنفسية والحياتية والوجودية والتفاعلية مع الأفكار والطبيعة والبشر وسائر الكائنات والموجودات، في تفاعله الصادق ، وفكره العميق ، وإحساسه الشفاف؛ من هذا المنطلق جاءت رؤاه متجددة مبتكرة، تنعكس تميزا في أشعاره ، لأن رؤيتة  في جوهرها رؤية شاملة  عاكسة للنسيج الحضاري رغم تعقيداته، كما أن المواقف والأفكار، التي يتبناها تؤكد الهوية وتجسد التجربة الإنسانية، فرؤيتة  هي أداته الوحيدة التي تعيد صياغة معالم شعره على نحو جديد  ...
عرفت الشاعر سرور ياور ، صديق وأخ ،ابن ديالى ، شاعر  يمتلك وجداناً يشعّ نوراً ومقدرة على التأثير والتأثّر  ،فلا شعر دون أن يتأثّر الشاعر بواقعه وتفاعله معه ، ونقل صورته بطريقة خلاّقة الى المتلقي ، كي يمنح الأخير فسحة من التأثير والعيش داخل النصّ والتفاعل معه إيجابيّاً ...
إنه الشاعر الحاذق في إمتلاك المقدرة والأدراك على أعادة صياغة الواقع اليوميّ وإلباسه لباساً خيالياً مألوفاً ،  مفجرا الينابيع من الصخور الصماء في قصائده، لتروي ضمأ الأرواح المحبة للجمال والنور والخير والسلام ...
حيث ينغِّم نسيجه الشعري حتى يبدو كأنّه قطعة متراصّة بخبرة شاعر وضمير إنسان ، متفتّحاً على هذا الكون ، بمعونة خياله أشبه بالساحر ، ويأتي بطاقات هائلة تكمن في توليفاته اللغوية وصياغتها وتركيبها ، فاللغة هي كلمات يستطيع الشاعر الحقيقي أن يشحنها ويطلق عنانها ويبثّ فيها الحياة ، فتكون لغته حيّة تنبض بالسحر والغرابة والأنزياح والخيال الجامح ،
ونجح في ايصال شعرة في ذائقة جميلة غزت منصات التواصل الاجتماعي   وكون مفرداته رغم عمقها نراها لغة  قريبة من المثقف الواعي ، وشاعرنا يسخّر كلماته، كي يعودنا لنعتبرها مفردات عادية بسيطة متداولة .؟!! . نراها لأول وهلة تستحق البحث ، مقلقة لنا وتستفزّنا وترتفع بنا الى عوالم بعيدة جداً عن الدارج لفهم مبتغاه في التأصيل وتثبيت السلامة 
الفكرية والشعرية  .

لقد أمتلك الشاعر / سرور ياور رمضان / / وضوحاً في تجربته وذخيرة معرفية أستند عليها أثناء كتابة هذا النصّ وكذلك قاموساً مفرداتيّاً طعّم من خلاله نسيجه الشعريّ , فكانت مفرداته تمتلك من الأنزياح اللغوي وأبعاداً ودلالات نفسيّة ، اضافة الى الصور الشعرية التي هي الأخرى أمتلكت أنزياحاً صوريّاً جميلاً  ... نعرض للقراءة هذه القصيدة التي  يكاد حبرها  يجف  :

القصيدة 

حُلمٌ تَوارى
//////
نَهَضَ مُتَثاقِلاً  
يُعَانِقُ أوجاعَهُ  
الَّتِي تُشْعَل نَاراً فِي عَتَمَة ذاكرتِهِ  
المُتَوَقِدة  
واشواقِهِ المُبَعثَرة  
حُلمٌ تَوَارَى وبقى كالسراب 

قَالَت :  
مِن يُعِيدَ لِي اِسْتِقْرَارَ النَّبْض ؟  
فَأَنَا حِين عَرَفْتُكَ  
لَمْ أَعْرِفْ غَيْركَ لِي وطنا  
كالأحلام  
وقلبي يَرْتَقِي ذُرْوَةَ الدوران  
يُوقِظ جَمْر الْأَسَى والهذيان 

قُلْت : صبرا  
قَالَت : صَمْتُكَ أَنْتَ فَاقَ الصبر 

قُلْت : عُصْفُورَةٌ أنتِ  
ترفرفين  
وَخَفْقٌ جناحيكِ  
يُثِيرُ فِي قَلْبِي الشجون   
يخط جدولاً مِن الآمال
درباً أسير فيه إليكِ   
 و يبقى الْقَلْب بعدكِ  
حَارِسا عَلَى قَيْدِ الوجود  
يَنْبِض في صمُود !
       سرور ياور رمضا

فكلّ مفردة هنا لها دلالاتها النفسيّة والجماليّة والرمزيّة ، ولها جَرسها الخاص بها وما توحيه في نفس المتلقي من صور وذكريات وعطر وحضور وأيحاء ولون على المتلقي الأيجابي أن يتقرب من هذه المفردات ويعيش في أجوائها ويتمثّلها مع نفسه ، حينها سيعرف قيمة هذا النصّ , ومقدرة الشاعر على رسم صورة لهذا الواقع . بحيث ما من مفردة من هذه المفردات إلاّ وكانت مشحونة بطاقات نفسيّة هائلة ، ومليئة بالأيحاء والمشاعر الأنسانيّة ..

تبين لنا الخصائص والسمات التي أسست المفردة في هذه القصيدة أو غيرها من قصائده ، عمقها العاطفي الوجودي وجمالها الفني ، الجرس ، والإيقاع ودلالته على المعنى الرمزي والانفعالي والترادف والتضاد والإيحاء والخيال ، التي من خلال هذه العوامل نتعرف على إسلوب الشاعر وثقافته وفلسفته التي تؤهله لاختيار مفرداته المناسبة ونسجها في نسق يستحوذ على ذائقة المتلقي وإرضاء نهمه، فأصبح لمفرداته نكهة خاصة تتكرر في معجمه الشعري ، بفعل تراكيبه الخاصة.. بل نجد  الشاعر " سرور ياور  " لا يخلو نص من نصوصه من مفردات ملازمة له، يكررها ويوظفها في حقل دلالي جديد، وقد نميزه في أحيان كثيرة عن غيره من حيث معجمه اللفظي... إذ اُن عملية تجسيده النص الشعري تنطلق من استعمال المفردة بإيقاعها الداخلي وبإيماءاتها ومدلولاتها في توظيف جديد ، بقدر يستقطب الذائقة لدى متابعين، بقدر ما توظيفها بصورة إبداعية تناسب مستوى الوعي الذي وصلنا إليه والعصر الذي نعيشه والثقافة التي وصلنا إليها؛ فالقصيدة هي قراءة لشاعرها في المقام الأول، أي معبرة عن شخصيته وكينونته، وهناك من يقلّد مَن قبله في كتابة القصيدة ومفرداتها، لدرجة أننا لا نفرق بين قصيدته وبين قصيدة كُتبت قبل خمسة عقود لغة، وفكرة، ومعنى.. مما يؤكد التواصل الزمني للشاعر بماضيه وحاضره في كتابه البنى الشعرية وفق الموقف التقدمي في الفن الشعري مجسداً جوهره وإيقاعه المرئي، ولكن الاعتراض ينصبّ على طبيعة الصياغة الشعرية، على الأنساق اللغوية المستخدمة أو السائدة، على كيفية توظيف المفردة اللغوية، وهي بطبعها شبه حيادية إلى أن تأخذ خصوصيتها في نسقها اللغوي الذي يجري بناؤه شعرياً، فالشاعر والشاعرة إنما هما كلمات صنعتهما اللعب الاحترافي بالمفردات لكي يتحقق الحضور الشعري عبر الإزاحات اللغوية، الاستعارية، الصورة، كأدوات رئيسية لتحقيق بناء شعري رصين ، وهذا وجدنا في تجربة الشاعر سرور ياور رمضان ...

يجب أن تكون القراءة لنصوص شاعرنا ، قراءة أبداعية تتناسب وحجم الأبداع الذي فيها ، قراءة ليست سطحية وأنما تفاعليّة منتجة . لأنّ نصّ الشاعر سرور ياور يحتمل أكثر من تأويل وهذا من محاسن النصوص العظيمة ، وفيه من الدلالات الشيء الكثير ، وشيفراته ممتعة حدّ الدهشة  وما قراءتنا له ، إلاّ سياحة في فضاءات هذا النصّ الشاسعة:

القصيدة 

تعالي  ....
لن  أغادركِ  ولم  أرحل 
مازلتِ  نجما  في سمائي 
والقمر 
أحصي بهما  الأيام  حين  إبتعدتي 
وفي القلب 
يغفو ذلك الحزن الجميل 
تعالي  لا تبخلي 
فكم  يطرزكِ  الشوق 
إشتعالاً وحنين 
وإنشغال وتوثب وأنين 
تعالي  .... لا تبالي 
أشعلتي في روحي الظمآى 
ناراً 
ومضيتي 
     ومضيتي  ....
تعالي  كما أنتِ   
حلماً كأني رأيتكِ  فيه 
ثم إختفيتي !!!!

         سرور ياور رمضان

الملاحظ أن قصيدة الشاعر وحدة متكاملة مع بقية سطورالقصيدة بالرغم من قربها للومضة، وبودي أن أشير، ليست قرائتي  على سبيل النقد تفكيكاً، وإنما بقصد الاستشراف بمفرده القصيدة المترابطة المتوحدة، التي لم تحدد بطول أو قصر ،أو بزمن ، بل أراد بها ان تكون تنسيقية متفاعلة مفتوحة اطرها لم تتخلى في بنائها عن النغمية والايقاع العمودي لحساب جماليات جديدة فقط  ، وأساس هذه الجماليات ، لأن الشاعر له معرفية في تجنب الاستطرادات والإيضاحات والشروح ، وهذا ما نجده في الأشكال النثرية الأخرى على ان تكون قوة اللفظ وإشراقه قوة جديدة فيها ، وما يميز شاعرنا هو التقرب من المتلقي بوضعه داخل الصورة الشعرية ليستنشق عبير معانيها ومضامينها،
قوامها الصور والرموز الشعرية الواضحة الشفافية ، 
هكذا يصوغ الشاعر " سرور ياور رمضان " نصوصه الشعرية الجديدة بمنتهى الرهافة حتى يبدو للقارئ وكأنه يصغي لأغنية فيروزية تفتح باب التأمل من جديد .

وختاماً للشاعر سرور ياور رمضان، الكثير من الفضاءات الشعرية املنا أن تنحصر في ديوان شيق التناول بيد القراء ، وستكون الفرصة أجمل ، لو قيض لنا سنحاول  تناولها نقداً تحليليا بصورة اكثر عمقا وفق المدارس النقدية في قابل الايام انشاء الله.
امنياتنا للشاعر الحبيب مواصلة التقدم في جادة الإبداع والله الموفق .

 

عن الكاتب

عواطف رشيد

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

مؤسسة العيون الثقافية