مؤسسة العيون الثقافية

موقع ثقافي يعنى بالادب بكل انوعه على انه رسالة سلام ولغة توحد العالم

random

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

شكرا لكرم مروركم

لقاءالوداع/بشير قادري

 قصة بعنوان : لقاء الوداع 

بقلم القاص : بشير قادري

كان جسر سيدي راشد يبدو من شرفة مطعم إغرسان ككائنٍ حجريّ عالق بين ضفتين؛ لا هو قادر على العودة، ولا هو مستعد للرحيل. وفي المساء كانت أضواء قسنطينة تسقط على الوادي كحفنة نجوم أخطأت طريقها إلى السماء، فاستقرت في حضن الصخر.

جلس سفير عند النافذة يراقب الدقائق تمر كأحكامٍ مؤجلة، حتى دخلت رنوة بعد نصف ساعة من التأخر الذي كان أشبه بلغة أخرى للاعتذار. لم تتغير كثيراً؛ المعطف نفسه، والعينان اللتان كانتا تقولان دائماً أكثر مما تنطقان به الكلمات. جلست دون أن تجيب على صمته، وطلبت قهوتها، بينما ظل هو بلا طلب؛ فحضورها كان الشيء الوحيد الذي جاء من أجله.

تبادلا في البداية كلاماً هامشياً عن أماكن مرتفعة وخوف قديم زعمت أنها تخلصت منه، محاولين تأجيل الحقيقة التي جاءا من أجلها بقدر ما يمكن للمجاملة أن تؤجل شيئاً كهذا. ثم قال ما جاء ليقوله:

— آسف.

فردّت بضحكة لا فرح فيها:

— تأخرت سنوات، يا سفير.

وبينما كان جسر سيدي راشد يتوهج تدريجياً خلف الزجاج، وكأن ضوءه يتسلل إلى اعترافهما بقدر ما يتسلل الظلام إلى الوادي تحته، انزلق الحديث نحو الماضي .أول لقاء، صوتها الذي ظل يرنّ في رأسه أكثر من أي صوت آخر، وابتسامة خانتها ثم تراجعت بسرعة حين تذكّرت أنه هو من أفسد كل شيء.

لم يدافع عن نفسه بأكثر من كلمة الحب، فردّت بأن الحب لم يكن يوماً عذراً بل كان هو السبب بعينه. وهنا انهار الجدار الذي حبسته سنوات: لم تكن تريده حاضراً بقدر ما كانت تريده ممكناً :حلماً تتأمله من بعيد، لا واقعاً يسكن معها البيت والصباح والانتظار. أرادت الفكرة لا الجسد الذي يحملها. وهو في المقابل لم يكن يعرف حباً غير ذلك النوع الذي يريد أن يتجسد، أن يصبح خبزاً يومياً لا صورة معلّقة على الجدار.

هنا بالضبط انكسر كل شيء بين من أراد الحلم أن يبقى حلماً، ومن أراد للحلم أن يستيقظ.

سألها إن كانت المسافة هي ما فرّق بينهما، فجاء جوابها اقتصادياً وقاسياً كضربة واحدة:

— لم تكن المسافة نحن.

لم يكن ثمة ما يُقال بعدها. سألها إن كانت تكرهه!!؟ فارتجفت يدها وهي ترفع الفنجان  ارتجافة قالت أكثر مما قد يقوله أي اعتراف .وأجابت : أن الكراهية كانت ستكون أرحم لكن المشكلة أنه جاء متأخراً عن اللحظة الوحيدة التي كان يمكن للحب فيها أن ينجو.

نهضت لتغادر. حاول أن يرافقها فرفضت طالبةً منه ألا يجعل الوداع أصعب مما هو عليه. ثم، عند الباب قالت ما كانت تخفيه: أنها كانت تعرف أنه سيأتي يوماً، وأنه كان يعرف أنها ستسامحه ، لكنها لن تفعل، لأن مسامحته كانت ستعني مسامحة نفسها أولاً، وهذا ثمن لم تكن مستعدة لدفعه بعد.

عند الباب توقفت حين ناداها ولم تلتفت. سألها سؤاله الأخير:

— هل كان حبنا وهماً؟

وهنا في تلك الثانية المعلّقة بين الرحيل والجواب بدا وكأن السؤال لا يخص حبهما وحده، بل طبيعة كل ما نحياه ونحسبه حقيقياً ، وهو في جوهره إدراكٌ عابر لا يعمّر أكثر من لحظته.       فأجابت دون أن تستدير:

— لا. كان حلماً حقيقياً ، لكننا استيقظنا منه في الوقت الخطأ.

لم يكن في جوابها تناقض بقدر ما كان فيه فلسفة كاملة عن الحب: أن الحلم لا يكذب حين يُحلَم، وإنما تكذب الساعة التي نستيقظ فيها منه. فالوهم ليس في الشعور نفسه، بل في توقيته؛ والحقيقة لا تُقاس بمقدار ما دامت، بل بصدق اللحظة التي وُلدت فيها، ولو انطفأت بعد ثانية من صحوة قاسية.

خرجت. وظل هو عند النافذة، يراقب الجسر المضاء الذي يصل بين ضفتين، بينما عجز هو ورنوة عن عبور المسافة الأقصر: تلك التي بين قلبين. أخرج من جيبه ورقة كتب عليها قبل مجيئه كلمة واحدة: «سامحيني»، ثم طواها دون أن يمزقها أو يرسلها؛ فبعض الاعترافات تكتمل بمجرد كتابتها، ولا تحتاج من يقرأها لتصبح حقيقية.

في الخارج، وقف عند بداية الجسر، وللحظة راودته رغبة في العودة، لكنه تذكر صوتها فواصل السير. وفي الجهة الأخرى كانت رنوة تمشي وحدها، حتى توقفت في منتصف الطريق، رفعت عينيها إلى الجسر، وهمست أن اللقاء كان ينبغي أن يأتي قبل أن يتحول هو نفسه إلى وداع.

ثم مضت.

ظل الجسر بينهما، شاهداً حجرياً على عبورٍ لم يكتمل. أما الحب، فبقي معلقاً بين ضفتين، لا تطاله يدٌ ولا يبلغه عابر  كحلمٍ نعرف أنه كان صادقاً، لكننا لا نملك بعد الآن الحق في العودة إليه.

انتهى . الواحات في 2026/08/25.                             بقلم القاص : بشير قادري

عن الكاتب

عواطف رشيد

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

مؤسسة العيون الثقافية