مؤسسة العيون الثقافية

موقع ثقافي يعنى بالادب بكل انوعه على انه رسالة سلام ولغة توحد العالم

random

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

شكرا لكرم مروركم

 ما بين العقيدة والأدب ...


 كتبنا فيما سبق عن مفاهيم الثقافة والأدب، والأدب المقارن والنقد الشعري، وايضا ما يهم الثقافة المجتمعية ، وثمةَ موضوع يربط الجميع علينا الإحاطة به وهو ما بين الأدب والعقيدة، إذ إن الدارس للأدب الحديث يقف على كثير من المفاهيم الجديدة في إطار النقد وفي إطار الإبداع.... فهو يقف في التقسيم المذهبي للآداب من رمزية وتعبيرية وإبداعية وإنطباعية وغيرها... وهنا يقف النقد الموضوعي والذاتي والتحليلي على كثير من هذه المقاييس، في نطاق الإبداع الأدبي على القصة والمقالة والرواية والمسرحية والشعر بفنونه وأشكاله، التي تمثل الاتجاهات في الأدب بشكله الحاضر.

 

وربما من يسأل وما علاقة الأدب بالعقيدة ...؟ إن عملية الربط بين هاتين الظاهرتين ربطاً حكيماً ظل الإسلام معزولاً عن الثورة الأدبية مدى سنين طويلة نتيجة لعوامل كثيرة أهمها هذا التأثر بالمناهج الأدبية الوافدة ودراستها ونهضتها.


ورجع الأدباء إلى تراثنا فوجدوا فيه القصور والجمود على حد زعمهم وحاولوا أن يجددوا ويبعثوا فيه الحركة والحياة، فماذا فعلوا..؟

في الحقيقة أن الأدباء القدامى لجأوا إلى دراسات عميقة متواصلة على أصول من البحث الحكيم والمناهج العلمية الصحيحة ولكن ما هي الغاية من هذا البحوث..؟ وقبل الإجابة على هذا السؤال يجدر القول: ماذا درس الأدباء والمفكرون..؟ وأي نوع من الأدب استأثر باهتمامهم...؟


لقد رجع الدارس والباحث والمتابع الحديث في كثير من الأحيان إلى أدبنا العربي القديم فهاله هذا التراث الكبير من الشعر والنثر بشتى أشكاله وصوره فيحاول أن ينظمه ويصل ما بينه من فجوات ويشيع في ثناياه مفاهيم النقد الحديث ، وقد يعود إلى الأدب الجاهلي وخاصة الشعر منه وإلى الأدب الإسلامي وخاصة ما يتعلق بالفنون التي تخضع للمقاييس الجمالية فيصب عليها اهتمامه وجهده ...

ولكن ماذا كانت النتيجة...؟ في هذه الدراسة ، لقد التفتنا إلى الشعر الذي يتغنى بالعواطف والسياسة والعصبية وتركنا ذلك الجانب الذي يتصل بالفكر والروح والذي كان أساس حضارتنا

فهل حققنا ما نريد فبعثنا حضارتنا من رقادها الطويل...؟ وهنا يهجم علينا سؤال جوهري ...تمت الإجابة عليه في حينه من قبل الكاتب " محمد صالح عبد القادر " قائلاً :  إن الأدباء عبر المراحل التاريخية حين أرادوا أن يدرسوا اتجهوا إلى الأدب الجاهلي من مثل المعلقات والشعر الغزلي وشعر السياسة والفخر. فهل قامت الحضارة الإسلامية على مثل هذا، وهل بعث الأمة العربية شعر النابغة وامرؤ القيس وجرير أم بعثها القرآن وخطب الرسول صلى الله عليه وسلم وأحاديثه...!! إن الإنسان الحكيم سوف لا يحتال في الجواب لأن التاريخ صادق وليس فيه ما يخضع للتزوير...!! ولنتجاوز هذه النقطة إلى غيرها، بماذا تكون قيمة الأدب، وبصورة أخرى ما هو مقياسنا في تقييم الأدب وتقديره، الشكل أم الفكرة، أم كلاهما معاً، وبماذا يحصل التأثير؟؟.

 

في هذه الإجابة وضعنا الباحث ..بأن للشكل الأدبي قيمته الأصلية في هذا الموضوع فقد كان القرآن ذروة البيان العربي والحديث معجزة الأساليب ، فإذا كان الشكل هذه القيمة، فإلى أي حد يلعب دور الفكرة والمضمون الذي يحمله هذا الشكل، وإلى أي حد يجب أن يكون الإيمان قوياً بهذه الأفكار المنطلقة من الفن الكلامي  ...!!

 

تكلم الأدباء والمفكرون على مر العصور بعديد من ألوان الفن التعبيري فلجأ أناس إلى القصة وأناس إلى الشعر وإلى غير هذا من الفنون. وأنا لم أضع هذه الكتابة لأقول لهم اهجروا القصة والشعر والرواية. لا، إن الرجل العاقل لا يفعل ذلك، بل إنما يقول حولوا هذه الأشكال الجوفاء إلى خدم لأفكاركم. إن اللغة أداة الفكرة ووسيلة العقيدة، وما وصلنا إلى ما وصلنا إليه إلا في الوقت الذي جعلنا فيه الأدب غاية في ذاته.... فالإسلام الشامل الكامل هو أول من سخر اللغة للأغراض العقائدية والقرآن نفسه نهج هذا النهج  وأولائك الأفذاذ والعباقرة من رجال الفكر والبيان في الإسلام.


لقد اقترن تاريخ النضال العقائدي بتاريخ النضال الفكري والبلاغي في الإسلام، "فمحمد النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم ،كان رسولاً وكان قائداً وبليغاً في الوقت ذاته، وعمر وعلي كانوا عباقرة الحكم والعدل وعباقرة البيان والفصاحة..  وأبو حامد الغزالي حول الفكر الإسلامي عن انحرافه وعنايته بالظواهر والقشور بذلك البيان الأخاذ والفهم الحكيم.

هذا هو تاريخ الإسلام نضال عقائدي مركزه القلب ،كفاح بطولي وسيلته العزم والسيف، وغزو فكري أداته البيان والحجة واللسان.

 

ثم جاء أقوام اشاحوا بوجههم عن هذا وطالعونا بالتجديد، وجاؤا بنظريات باطلة ظاهرها جميل خداع وباطنها فارغ - كما عهد عن الغربي في جميع ظروفه وأطوار حياته -ما من عاقل ينكر عظمة ما وصل إليه الغرب من السمو بفنون الكلام حتى صار أدبهم الذروة في كل شيء وصار الناس عالة عليهم في كل شيء في القصة والمسرح والرواية والشعر... فنون استوت عندهم إلى أبعد الحدود ، أوجدوا من الدراسات النقدية ما يحاكي تلك العظمة ويطاولها. وكذلك في مجال الفكر والفلسفة والاجتماع والنفس. ولكن ماذا كانت النتيجة..؟ لعلنا نستبق الحوادث ونقول (فاقد الشيء لا يعطيه) إن الأدب الأوروبي أدب فارغ - مع كل أسف أدب يعني بالجمال ويعني بالصياغة ويأخذ من الحياة على علاتها، فهو منبتّ الجذور عن القيم والأخلاق وأكبر الأمثلة على ذلك الثورة الوجودية في هذا العصر والأدب الواقع عند الأوربيين وكثير من هذه الأنواع.

صحيح أن هناك أدباً يعني بالقيم المثالية والروحية ولكن ماذا يصنع هذا الأدب حينما يعبر عن هذه الأشياء.؟ فهو لا يزيد على أن يحببنا بالفضيلة والخير والجمال عن طريق إثارة الذوق والخيال والعاطفة..  !! ، فهو إذن أدب مترف مبهرج يخاطب النواحي الفضولية عند الإنسان لا مكامن الثورة والطاقة فيه. إنه أدب يدغدغ العواطفك والأفكار ولا يحرقها بوهج الفكرة وشعاع الإيمان...نتسائل هل أدخلوا الفضيلة إلى قلب إنسان، هل غيروا المجتمع إلى أفضل، هل صار الإنسان إنساناً في أدبهم وفنهم...؟ بل لفنه وإطاراً لعمله. ونحن بهذا قد عالجنا إلى هنا الجانب المشرق من أدبهم فما بالك لو طالعت أدب الهروب والضياع والإنحلال الذي شاعت كثير من أفكاره ومصطلاحاته في أدبنا حتى صرنا نجد من أدبائنا الشباب من يلون كتبه وأسلوبه بألفاظ لا علاقة لها بالتراث والأدب العربي جميعها ضبابية تعبر عن - اللامنتمي - الوجودي- هذه التعابير التي أخذوها عن عالم يفتقر إلى القيم ..يستند الى تعبير -المفاهيم الجديدة - تسيير الإنسان، كحب البقاء والأثرة وحب التسلط وإشباع الرغبات ، بأكثر مما تنتج عن الحب والإيمان والإيثار. لقد عطل الإنسان الغربي حينما عطل إيمانه كثيراً من جوانب الحياة المثالية السعيدة. لقد صرنا نسمع منهم (الإنسان ذئب على أخيه الإنسان) كمذهب نظري فماذا فعل رد الفعل عند أدبائنا...!

استيقظ الشرق فوجد هذا الضجيج والعجيج من الأفكار والفنون والآداب فهاله الأمر واستهواه التقليد وهو الذي أثخنته الجراح وفقد الثقة والصلة بالماضي وكان لابد له من أن يفعل شيئاً، فماذا فعل؟

إن الأدباء والمتنورين لا يعذرون في هذا المجال أمام مقصرون وإن المسؤولية غداً لعظيمة، لقد نسيتم ماذا يفعله الإنسان الحكيم في مثل هذا الموقف، إن الرجل الشجاع لا يترك السلاح إلا مضى في المعركة ليقف أعزلاً أو ليستبدل به سلاحاً آخر أضعف منه.

وإنما يجب أن يساهم في أسس البناء الجديد -  وكانت نظرية الدكتور طه حسين لتقريب الافكار

بين الغرب والشرق العربي لكنه قد تعب واضناه الدفاع والأخذ والرد عن حريته ومنهجه وعلمه، أن واقع الحال يجعلنا لا نتعب أبداً ولن نلقي السلاح في الدفاع عن أدبنا وتراثنا كما نفهمه وكما يفهمه المنطق الصحيح الذي يقره الإسلام. 

 إن الفكر والشعور السامي ينبع من التراث الأخلاقي والديني للشعور وبالطبع لن نتردد كثيراً قبل أن نقول أن أخلاقنا وتراثنا في صميمها منطلقة عن الإسلام، فهل يجدر بالأدب أن ينحرف عن هذا المنبع الأصيل..! وإذا انحرف فإلى أين يسير. إلى أي المنابع... كلا إن الحياة كلها تضيق وتعجز عن أن تضارع رسالة السماء وحكمة الأنبياء ونبوغ الإسلام.

 إن الدراسة الحديثة ومناهجها وبين تراثنا الأدبي والفكري الإسلامي في ترابط 

لأن العقيدة ابنة اللغة فلا نجعل الشقة واسعة بين هذين الطرفين في أي ناحية من النواحي ولن يعدم الإنسان التدليل على ذلك فمناهجنا بعيدة كل البعد عن الإسلام ودراساتنا كذلك فلا نزال الآن نعني بالأدب الجاهلي وأدب النقائض وشعر الغزل والسياسة وغيره بأكثر مما نعني بأدب القرآن ، ولا زلنا نعنى بمذاهب الفكر الغربية المختلفة لا أقول أكثر فقط من تراثنا الفكري بل إننا لا نهتم بمفكرينا أبداً فلا يزال الفقهاء والمشرعون والمفكرون اللذين لا نستطيع إحصائهم   مجهولين في أدبنا ولم يتجدد في دراساتنا وأذهاننا، إن هؤلاء الأفذاذ ملء أذني الدهر لو أتيح لهم من يعني بهم ويظهرهم إلى الوجود على مستوى البحث القيم والدراسات المنظمة والممارسة في الفنون الأدبية..لأن الربط بين العقيدة والأدب، بعث للمجد والأخلاق .


الكاتب والناقد

د. عباس الجبوري


عن الكاتب

عواطف رشيد

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

مؤسسة العيون الثقافية