عماد ألدعمي
نزيفُ بغداد
إنْ ساءنـــــي هَمٌ وَحــــــلَّ مُقدّرُ
قسمًا بربِ الكائنـــــــــاتِ سأصبرُ
فأنــــا المُتيّمُ والغَرامُ قَضيتـــــي
وأنا القصيدُ وَغيْمُ حَرفــي مُمطرُ
لكنّني فــــــي وصفِ منْ أحببتُها
خَجِـلٌ لأنّــــــــــي عـاجزٌ ومُقصّرُ
هــــــــي سرُّ آهاتي وسرُّ تَحسري
هي نبضُ قلبــــــي دونها لا أشعرُ
لو كـانَ عنـدي ألفُ حرفٍ لنْ يفي
فقريحتــــــــي من عشقِها تَتفجّرُ
لله دُرّكِ كيــــفَ أكتمُ لوعتـــــــي ؟
يـــا أنتِ يــا جرحًا بروحي يَنخرُ
يا أنتِ يــــــا دارَ السّلامِ بسحرِها
يـــــــــامنْ يَحارُ بوصفِها المتبحّرُ
رحماكِ يـــــــا بغدادُ ضمّي عاشقًا
مـــــــــا عادَ يكظمُ حزنَهُ أو يَقدرُ
بغدادُ إنــــــــــــي ظامىءٌ مُتلهّفٌ
كلماتُهُ مـــــــــــن ماءِ دجلةَ تقطرُ
وملاذُهُ فــــــــــــي بقعةٍ من جنّةٍ
يــــــــــا كعبةً قد زارَها المُستغفرُ
يُسراكِ يــــا بغدادُ فـــي مُتصوّفٍ
يقضي الليالـــــــي بالعناءِ وَيسهرُ
يبكـــــــــي بدمعٍ حارقٍ ممّا جرى
وإلى ليـــــــــــــالٍ انقضتْ يَتفكّرُ
ويحنُّ للماضــــــي الجميلِ بلهفةٍ
وعلـــــى حَياةٍ قد مَضتْ يَتحسّرُ
أينـــــــــاكِ إذ كانت ربوعُكِ مرفأً
حيثُ النــّـوارسُ والرّبيعُ الأخضرُ
والعاشقونَ على الضّفافِ السّاحرِ
يتعانقونَ بـــــــــــــلا رَقيبٍ يَنظرُ
بغدادُ يــــــــــا قَمرًا ويا نَجمًا ويا
عطرًا يفوحُ لينتشـــــــي المُتعطّرُ
ردّي علـــى زَمني مَواسمَ عـاشقٍ
أو بسمـةً يــــــــــــــا ليتها تَتـكرّرُ
ردّي علــــــــــى قلبي تلهّفَ مُغرمٍ
فأنا ومن عقديــــــــنِ روحي تَنفرُ
ودموعُ عينـي مُذ غزاكِ الأعجمي
تجري علــــى خدي وصعبٌ تُستَرُ !
بغدادُ يـــا وَجعـي ويا حزني على
أرضٍ يَعيـــثُ بهـا العميـلُ المُخبرُ
وتسيّدَ الوغــــــــدُ الزّنيمُ رَعيـّـــةً
باعـــــوا ضمائرهم ولـم يَتـحرروا
أسفًا وما أسفي علـــــــى مُتزندقٍ
حَكمَ البلادَ وبــــــــــاتَ فيها يَكفرُ
لكنّما أسفــــــــي علـــى شعبٍ إذا
عـــادوا لماضينا العريــقِ تفاخروا
يَســـتشهدونَ بكـلِّ منقبــةٍ مَضت
والآن فـــــــي قعرِ المذلـــةِ دُثروا
يـــــــــا وَيلنا مــــن لعنةٍ حلّت بنا
يـــــــــــومَ انبرى المُتمرّدُ المُتجبّر
وتربـّــــعَ النّجسُ الخبيثُ بمنصبٍ
إذ يرتقـــــــــي عرشَ البلادِ ويأمرُ
قَتلَ الحيـــــــــاةَ بأسرِها لم يَرعوِ
حتّــــــــــى تَشرّدَ عــــــالمٌ ومُفكّرُ
والنّاسُ فــي صمتٍ فوا أسفًا على
قومٍ إذا ذَكـــــــروا الكرامةَ شمّروا
وكأنهم نَزعوا الإبــــــــــاءَ وخلّفوا
تاريــــــــخَ عزٍ والهدى لم يُبصروا
أشكــو ومـا شكوايَ نافعةٌ ومـــــا
حرفـــي ســــــوى كسرٍ ولا يتجبّرُ
لا ذنبَ للشّعراء إنْ صَـــــدَقوا وما
جدوى قصـــائدِهم إذا لم يُنصروا
لا ذنـبَ فــــــــي نَزفٍ يؤرّقهم فلا
أمــلٌ يـــلوحُ ولا بريـــــــــقٌ يَظهرُ
بغدادُ عُـــــــــذرًا إن نعيتُكِ شاعرًا
فالشّعرُ مني فـــــي الجّوى يَتَخثّرُ
والهّمُ أرّقنـــــي ويأبــــى فرقتـــي
وأنــا ومُـذْ حينٍ مَضـــــــى أتضوّرُ

شكرا لكرم مروركم