تَرَاتِيلُ الْكِبْرِيَاءِ
أَنَا نَفَسٌ
يَمُرُّ فَوْقَ الْغُبَارِ،
وَفِي صَدْرِي
بَقَايَا ضَوْءٍ
لَمْ تُطْفِئْهُ الرِّيحُ.
أَمْشِي،
وَفِي خَطْوِي شَيْءٌ مِنَ الْفَجْرِ،
كَأَنَّ الطَّرِيقَ
يَعْرِفُ اسْمِي
وَلَا يُنَادِينِي.
عَلَى وَجْهِي
وَشْمُ أَيَّامٍ بَعِيدَةٍ،
وَكُلُّ نَدْبَةٍ
نَافِذَةٌ
عَلَى صَمْتٍ قَدِيمٍ.
وَحِينَ يَعْصِفُ اللَّيْلُ،
أَضُمُّ مَا تَبَقَّى مِنِّي
إِلَى جَمْرَةٍ لَا تُرَى،
وَأَدَعُ لِلرِّيحِ
مَا لَيْسَ لِي.
لَمْ أَكُنْ ظِلًّا،
وَلَا طَلَبْتُ مِنَ الشَّمْسِ
مَكَانًا.
يَكْفِينِي
أَنْ يَكُونَ لِي
ظِلٌّ يَتْبَعُنِي.
أُحِبُّ السَّمَاءَ
كَمَا يُحِبُّ الطَّيْرُ
اتِّسَاعَ جَنَاحَيْهِ،
وَأُقِيمُ فِي الصَّمْتِ
كَمَا يُقِيمُ الْفَجْرُ
فِي آخِرِ عُتْمَتِهِ.
مَا خَسِرْتُهُ
لَمْ أَعُدَّهُ خَلْفِي؛
فَبَعْضُ الْأَبْوَابِ
حِينَ تُغْلَقُ،
تَفْتَحُ فِي الرُّوحِ
مَمَرًّا آخَرَ.
غَابَ الَّذِينَ غَابُوا،
وَبَقِيَتْ فِي الْقَلْبِ
مَصَابِيحُ صَغِيرَةٌ
لَمْ تَمْتَدَّ إِلَيْهَا
يَدُ الْغِيَابِ.
وَلِمَنْ بَقِيَ
دُونَ أَنْ يُطْفِئَنِي،
أَتْرُكُ عَلَى عَتَبَةِ الْقَلْبِ
شَيْئًا مِنَ السَّكِينَةِ،
وَأَمْضِي.
فَالْمَحَبَّةُ
لَيْسَتْ يَدًا مَمْدُودَةً دَائِمًا؛
قَدْ تَكُونُ بَابًا
نَفْتَحُهُ لِلنَّدَى،
وَنُغْلِقُهُ
فِي وَجْهِ الْعَاصِفَةِ.
أَنَا وَاقِفٌ
عِنْدَ آخِرِ حُدُودِي،
أُرَاقِبُ مَا يَسْقُطُ مِنِّي
وَمَا يَظَلُّ.
لَا أَرْفَعُ رَايَةً،
وَلَا أَطْلُبُ مِنْ أَحَدٍ
أَنْ يَرَى مَا أَرَى.
يَكْفِينِي
أَنَّ الْمِصْبَاحَ
يَمْضِي فِي نُورِهِ
دُونَ أَنْ يَسْأَلَ الْعَتْمَةَ.
فِي دَاخِلِي
سُلَّمٌ خَفِيٌّ؛
كُلَّمَا أَثْقَلَتْنِي الْأَرْضُ
صَعِدْتُ دَرَجَةً،
حَتَّى لَا أَرَى
إِلَّا اتِّسَاعَ السَّمَاءِ.
ثُمَّ أَعُودُ
أَخَفَّ مِمَّا كُنْتُ،
كَأَنَّ شَيْئًا
لَمْ يَكُنْ.
أَسْقُطُ أَحْيَانًا،
نَعَمْ،
لَكِنَّ التُّرَابَ
يَعْرِفُ كَيْفَ يُعِيدُ لِلْخُطْوَةِ
مَعْنَاهَا.
وَحِينَ أَنْحَنِي،
لَا يَكُونُ ظَهْرِي لِلْأَرْضِ،
بَلْ لِلسَّمَاءِ.
وَحِينَ أَصْمُتُ،
فَثَمَّةَ كَلَامٌ
أَخْشَى أَنْ يَجْرَحَ
آخِرَ مِصْبَاحٍ
فِي هَذَا الْعَالَمِ.
وَإِنْ سَأَلُونِي:
مَنْ أَنْتَ؟
أُشِيرُ إِلَى الطَّرِيقِ،
إِلَى النَّدْبَةِ،
إِلَى الضَّوْءِ الْبَعِيدِ...
وَأَقُولُ:
ذَلِكَ الَّذِي
لَمْ يَأْخُذْ مِنَ الرِّيحِ
إِلَّا اتِّجَاهَهَا،
وَلَمْ يَأْخُذْ مِنَ اللَّيْلِ
إِلَّا قُدْرَتَهُ
عَلَى انْتِظَارِ الْفَجْرِ.
*****
بِقَلَمِ ✍️ سُلَيْمَانَ بْنِ تَمَلِّيستْ
جَرْبَةُ — 2026/09/23
الْجُمْهُورِيَّةُ التُّونِسِيَّةُ
شكرا لكرم مروركم