مؤسسة العيون الثقافية

موقع ثقافي يعنى بالادب بكل انوعه على انه رسالة سلام ولغة توحد العالم

random

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

شكرا لكرم مروركم

صاحب الظل الطويل

 قصة (صاحب الظل الطويل) 


أطلق برّاد الشاي صفيره المعتاد، أفاق من شروده وحدّق به ، رسم ابتسامة شاحبة على شفتيه، عادت به الذكريات، كان يقف بمعطفه الرصاصي السميك وقد أخفى يديه في جيبيه، ليس ثمة من برد يمكن أن يبتز جسده الآن!. كانت محطة القطار شبه خالية، أدرك انه قد جاء مبكراً، هز كتفيه وهمس لنفسه:

_ ومالضير في هذا؟  نتجول ونحتسي بعض الشاي الساخن. كاد يصطدم بها وهو يستدير في طريقه لكشك بيع الشاي:

_ يارب السماء! ماهذه العيون التي تحدق فيه، أنهما أوسع من حقل العشب البري. ظل يحدق فيها بدوره  مثل الأبله ،أنتبه للكف الصغيرة التي كانت تجذب ثوبها، اعتذر منها بأحناءة من رأسه، ود لو كان بأستطاعته التعلق بأهداب عينيها وهي تنصرف، ظلَّ متسمراً في مكانه، مالبث أن أدار رأسه، وجد البنت الصغيرة تختلس النظر إليه وهي تتعثر!. أدار الملعقة في كوب الشاي، راح يحرّك السائل بشرود،همس لنفسه:

_لم يتغير الحال، مازلت أعاني من العلة التي رافقتني منذ الطفولة، آه من الخجل!. 

-لطفاً، هل ثمة حليب لهذه الطفلة؟ . كان ذلك الصوت الرخيم قد صدر من خلفه، التفت ببطء، ارتجفتْ أصابعه وكاد كوب الشاي أن ينزلق، اوه ، إنها هي بذاتها صاحبة العيون الخضر! افاق من دهشته، تنحى جانباً وهو يفسح لها مجالاً أمام البائع، قال هذا الأخير وهو يمسح يديه بخرقة كانت بيضاء :

-حليب! طبعاً يوجد حليب، لكنه ساخن. كنت أراقب ملامح وجهها الأبيض، هزّتْ رأسها بلطف، قالت:

-طيب ليكن، اجعلهما إثنين، الآخر أضف له الشاي لو سمحتْ. أخرجتْ من حقيبتها بعض المال، كان البائع العجوز مشغولاً بصب السائل الأبيض الذي أخذ البخار يتصاعد منه، كان  أقرب له منها، مدَّ يده  لكن بخجل، انتبهتْ له ورفعت حاجبها، أدركتْ مقصده  فأحمرَّ وجهها، وضعتْ النقود في راحة يده شبه المرتعشة، وهمست شكراً، لكن بصوتٍ خافت. هذه المرة وهو  يلاحق خطواتها المنصرفة استدارتْ الطفلة أيضاً، راحت ترمش لكنها لم تتعثر. كانت أصابع يده  مازالت ترتجف حين أشعل السيجارة، طلبَ كوباً آخراً من الشاي، توقفتْ عيناه  عند تضاريس الوجه المتعب للبائع العجوز، تبادلا  ظلُّ ابتسامة ثم أخذ يعد النقود. سار مبتعداً عن كشك الشاي، كان السائل الأسود الساخن يترجرج وهو يحمله بيده ، رمى  بالسيجارة جانباً وتقدم للأمام ، كانت تجلس إلى إحدى الموائد المتناثرة في محطة استراحة المسافرين، جلس بالقرب منها وكان بأستطاعته  رؤية جانب وجههاالوسيم ، بدأ عدد غير قليل من المسافرين بالتوافد، راح قلبه  يخفق بشدة، كانت منحنية تتحدث إلى صغيرتها، ترفع شعرها شبه الأشقر مابين لحظة وأخرى،وجد نفسه ينهض عن مقعده فجأة:

_ فاز باللذات من كان جسورا!. هكذا همس لنفسه  وهو يشعل سيجارة، راح  يتخيل أثر اصابعها على صفحة خده ،توقف متردداً وهو يتحسّس مكان الصفعة، تباً! أخذ قلبه يخفق بقوة ، كان بوسعه  سماع الدوي في صدره  المضطرب!استدار وعاد لمقعده ثم انكمش على نفسه وراح ينفث الدخان في الهواء. بعد لحظات سمع صوت مقعد يُسحبْ ثم خطوات تقترب رويداً رويداً منه حتى توقفت بالقرب من مقعده ، ظن الأمر في البداية حلماً، حينما باغته الصوت ذو الرنين الحلو :

-أظن بأنك كنت تود الحديث معي؟ . استدار لكن بصعوبة، كان كل شيء فيه يرتجف، ابتلع ريقه وهو يحدق في ملامح الوجه الحلو، اتسعت ابتسامتها وهي تشير نحو المقعد الفارغ :

-الن تدعوني للجلوس؟ . لوّحَ بيده نحو المقعد واكتستْ ملامح وجهه بحمرة لم تخفى عليها، لم ينبس بحرف، حاول أن يقول شيئاً، لكن الكلام احتبس في سقف حلقه ،هرب بنظراته نحو وجه الطفلة شبيهة أمها، ابتسم لها وهو يرى محاولاتها الفاشلة في الصعود إلى الكرسي الآخر، نهض بسرعة، حمل الطفلة واجلسها برفق بجانب أمها، قالت :

-انت مسافر أيضاً؟ أعني في نفس قطار الثامنة والنصف مساءً!. ردَّ بتمتمة مبتلعاً نصف كلماته، ازاحتْ شعرها للخلف،  قالت:

-أنا أيضاً مسافرة على نفس القطار-حدقت بالساعة التي زينتْ معصم يدها - مازال أمامنا حوالي خمسين دقيقة، طيب حدثني عن نفسك! لاتخجل، فمن بعض فوائد السفر أن تلتقي بأصدقاء! أعني غرباء في البداية، أصدقاء في النهاية، تبدو طيباً، هيا حدثني، لقد كنت ترمقني كثيراً وتحوم حولي!. أربكه كلامها، مدَّ يده يتلمس علبة سجائره، سحقاً ، أين ذهبت هذه الأخرى! قال وعيناه تحدقان في نقطة وهمية خلفها :

-عندما رأيتك أول مرة، تذكرتُ شخصاً عزيزاً، أعني نفس الملامح. ابتسمت له، بدا صادقاً، قالت :

-هل الشخص هذا مازال موجوداً؟ أهو امرأة!.  

-نعم، لكنها لم تعد موجودة، لا أعرف إن كانت حية أم...حدث الأمر هذا منذ سنين خلت ، أعني كنا ندرس معاً في الكلية. هزّتْ رأسها، أخذت تتأمل أصابعه النحيلة المرتبكة وهي تطرق حافة الطاولة، قالت :

-هل  تشبهني لهذا الحد؟ . حاول النظر في عينيها، كانت قد عقدت مابين حاجبيها، هرب بنظراته بعيداً، همست :

-كيف ستعرف إن كانت تشبهني تماماً وأنتَ تهرب بعيناك هكذا؟ هل كنت تفعل معها ذات الشيء؟. ابتلع ريقه، شعر ببعض الراحة، لقد مسّتْ أصابعه  أخيراً علبة السجائر، أشعل واحدة، ابتلع الدخان بصوت مسموع وثبّتَ عينيه في وجهها، قال بصوت لا أثر للتردّد فيه :

-أنتِ أجمل طبعاً، عيناك أعمق وأوسع.  ارتدّتْ بمقعدها للخلف، وضعت يدها المطلية اظافرها باللون القرمزي على فمها، أدرك بأن ضحكتها حلوة مثلها، متزنة وعذبة، راحت الطفلة تتململ في مقعدها، انحنت الأم تسمع همسها، وجدها فرصة، راح يتأملها بصورة أكبر، إنها أجمل بكثير فعلاً، هكذا همس مع نفسه قبل أن يصل إلى أذنيه صوت المنادي بضرورة صعود المسافرين للقطار.  أخذت تتهيأ، ظلَّ في مكانه، هل سيكون الوداع الآن، وجدها ترمقه فجأة وهي تكبتُ ضحكة كبيرة، هتفت به :

-هل ستبقى جالساً هكذا، أليس هذا قطارك؟. احمرَّ وجهه، لم تتركه لحيرته، قالت :

-ساعدني وامسكْ يد الطفلة، سأحمل الحقيبة. نهض مندفعاً، فاجأها ذلك لكنه ارضاها تماماً، كان يسير أمامها وهو يحمل الطفلة بيد والحقيبة باليد الأخرى. (ملاحظة :أحداث القصة جرت ايام الزمن الجميل، تتبع للجزء الأخير)


بقلم /رعد الإمارة /العراق /بغداد


عن الكاتب

عواطف رشيد

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

مؤسسة العيون الثقافية